علوم القرآن · الإتقان · الفصل ٤٤ من ٩٦

النوع الثامن والأربعون — في مشكله وموهم الاختلاف والتناقض

4144 أفرده بالتصنيف قطرب والمراد به ما يوهم التعارض بين الآيات وكلامه تعالى منزه عن ذلك كما قال @QB@ ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا @QE@ ولكن قد يقع للمبتدئ ما يوهم اختلافا وليس به في الحقيقة فاحتيج لإزالته كما صنف في مختلف الحديث وبيان الجمع بين الأحاديث المتعارضة وقد تكلم في ذلك ابن عباس وحكى عنه التوقف في بعضها

4145 قال عبد الرزاق في تفسيره أنبأنا معمر عن رجل عن المنهال بن عمرو عن سعيد بن جبير قال جاء رجل إلى ابن عباس فقال رأيت أشياء تختلف علي من القرآن فقال ابن عباس ما هو أشك قال ليس بشك ولكنه اختلاف قال هات ما اختلف عليك من ذلك قال أسمع الله يقول @QB@ ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين @QE@ وقال @QB@ ولا يكتمون الله حديثا @QE@ فقد كتموا وأسمعه يقول @QB@ فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون @QE@ ثم قال @QB@ وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون @QE@ وقال @QB@ أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين @QE@ حتى بلغ @QB@ طائعين @QE@ ثم قال في الآية الأخرى @QB@ أم السماء بناها @QE@ ثم قال @QB@ والأرض بعد ذلك دحاها @QE@ وأسمعه يقول @QB@ كان الله @QE@ ما شأنه يقول @QB@ وكان الله @QE@

فقال ابن عباس أما قوله @QB@ ثم لم تكن فتنتهم إلا ms456 أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين @QE@ فإنهم لما رأوا يوم القيامة وأن الله يغفر الذنوب ولا يغفر شركا ولا PageV03P072 يتعاظمه ذنب أن يغفره جحده المشركون رجاء أن يغفر لهم فقالوا ( والله ربنا ما كنا مشركين فختم الله على أفواههم فتكلمت أيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون فعند ذلك يود الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوى بهم الأرض ولا يكتمون الله حديثا )

وأما قوله @QB@ فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون @QE@ فإنه إذا نفخ في الصور فصعق من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون

وأما قوله @QB@ خلق الأرض في يومين @QE@ فإن الأرض خلقت قبل السماء وكانت السماء دخانا فسواهن سبع سموات في يومين بعد خلق الأرض

وأما قوله @QB@ والأرض بعد ذلك دحاها @QE@ يقول جعل فيها جبلا وجعل فيها نهرا وجعل فيها شجرا وجعل فيها بحورا

وأما قوله @QB@ كان الله @QE@ فإن الله كان ولم يزل كذلك وهو كذلك عزيز حكيم عليم قدير لم يزل كذلك

فما اختلف عليك من القرآن فهو يشبه ما ذكرت لك وإن الله لم ينزل شيئا إلا وقد أصاب الذي أراد ولكن أكثر الناس لا يعلمون

4146 أخرجه بطوله الحاكم في المستدرك وصححه وأصله في الصحيح قال ابن حجر في شرحه حاصل ما فيه السؤال عن أربعة مواضع

الأول نفي المسألة يوم القيامة وإثباتها

الثاني كتمان المشركين حالهم وإفشاؤه

الثالث خلق الأرض أو السماء أيهما تقدم

الرابع الإتيان بحرف ( كان ) الدالة على المضي مع أن الصفة لازمة

وحاصل جواب ابن عباس عن الأول أن نفي المساءلة فيما قبل النفخة الثانية وإثباتها فيما بعد ذلك

وعن الثاني أنهم يكتمون بألسنتهم فتنطق أيديهم وجوارحهم

وعن الثالث أنه بدأ خلق الأرض في يومين غير مدحوة ثم خلق السموات PageV03P073 فسواهن في يومين ثم دحا الأرض بعد ذلك وجعل فيها الرواسي وغيرها في يومين فتلك أربعة أيام للأرض

وعن الرابع بأن ( كان ms457 ) وإن كانت للماضي لكنها لا تستلزم الانقطاع بل المراد أنه لم يزل كذلك

4147 فأما الأول فقد جاء فيه تفسير آخر أن نفي المساءلة عند تشاغلهم بالصعق والمحاسبة والجواز على الصراط وإثباتها فيما عدا ذلك وهذا منقول عن السدي أخرجه ابن جرير من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس أن نفي المساءلة عند النفخة الأولى وإثباتها بعد النفخة الثانية

4148 وقد تأول ابن مسعود نفي المساءلة على معنى آخر وهو طلب بعضهم من بعض العفو فأخرج ابن جرير من طريق زاذان قال أتيت ابن مسعود فقال يؤخذ بيد العبد يوم القيامة فينادى ألا إن هذا فلان فمن كان له حق قبله فليأت قال فتود المرأة يومئذ أن يثبت لها حق على أبيها أو ابنها أو أخيها أو زوجها فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون

ومن طريق أخرى قال لا يسأل أحد يومئذ بنسب شيئا ولا يتساءلون به ولا يمت برحم

4149 وأما الثاني فقد ورد بأبسط منه فيما أخرجه ابن جرير عن الضحاك بن مزاحم أن نافع بن الأزرق أتى ابن عباس فقال قول الله @QB@ ولا يكتمون الله حديثا @QE@ وقوله @QB@ والله ربنا ما كنا مشركين @QE@ فقال إني أحسبك قمت من عند أصحابك فقلت لهم آتي ابن عباس ألقي عليه متشابه القرآن فأخبرهم أن الله إذا جمع الناس يوم القيامة قال المشركون إن الله لا يقبل إلا ممن وحده فيسألهم فيقولون @QB@ والله ربنا ما كنا مشركين @QE@ قال فيختم على أفواههم وتستنطق جوارحهم

4150 ويؤيده ما أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة في أثناء حديث وفيه ( ثم يلقى الثالث فيقول يا رب آمنت بك وبكتابك وبرسولك ويثني ما استطاع فيقول الآن نبعث شاهدا عليك فيذكر في نفسه من الذي يشهد علي فيختم علي فيه وتنطق جوارحه PageV03P074

4151 أما الثالث ففيه أجوبة أخرى منها أن @QB@ ثم @QE@ بمعنى الواو فلا إيراد

وقيل المراد ترتيب الخبر لا المخبر به كقوله @QB@ ثم كان من الذين آمنوا @QE@

وقيل على بابها وهي لتعارف ما بين الخلقين ms458 لا للتراخي في الزمان

وقيل ( خلق ) بمعنى ( قدر )

4152 وأما الرابع وجواب ابن عباس عنه فيحتمل كلامه أنه أراد أنه سمى نفسه ( غفورا رحيما ) وهذه التسمية مضت لأن التعلق انقضى

وأما الصفتان فلا تزالان كذلك لا ينقطعان لأنه تعالى إذا أراد المغفرة أو الرحمة في الحال أو الاستقبال وقع مراده قاله الشمس الكرماني

4153 قال ويحتمل أن يكون ابن عباس أجاب بجوابين أحدهما أن التسمية هي التي كانت وانتهت والصفة لا نهاية لها والآخر أن معنى ( كان ) الدوام فإنه لا يزال كذلك

ويحتمل أن يحمل السؤال على مسلكين

والجواب على دفعهما كأن يقال هذا اللفظ مشعر بأنه في الزمان الماضي كان غفورا رحيما مع أنه لم يكن هناك من يغفر له أو يرحم وبأنه ليس في الحال كذلك لما يشعر به لفظ ( كان )

4154 والجواب عن الأول بأن كان في الماضي تسمى به

وعن الثاني بأن ( كان ) تعطى معنى الدوام وقد قال النحاة كان لثبوت خبرها ماضيا دائما أو منقطعا

4155 وقد أخرج ابن أبي حاتم من وجه آخر عن ابن عباس أن يهوديا قال له إنكم تزعمون أن الله كان عزيزا حكيما فكيف هو اليوم فقال إنه كان في نفسه عزيزا حكيما

4156 موضع آخر توقف فيه ابن عباس

قال أبو عبيدة حدثنا إسماعيل بن إبراهيم عن أيوب عن ابن أبي مليكة قال سأل رجل ابن عباس عن @QB@ في يوم كان @QE@ PageV03P075 @QB@ مقداره ألف سنة @QE@ ) وقوله @QB@ في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة @QE@ فقال ابن عباس هما يومان ذكرهما الله تعالى في كتابه الله أعلم بهما

4157 وأخرجه ابن أبي حاتم من هذا الوجه وزاد ( ما أدرى ما هما وأكره أن أقول فيهما ما لا أعلم ) قال ابن أبي مليكة فضربت البعير حتى دخلت على سعيد بن المسيب فسئل عن ذلك فلم يدر ما يقول فقلت له ألا أخبرك بما حضرت من ابن عباس فأخبرته فقال ابن المسيب للسائل هذا ابن عباس قد اتقى أن يقول فيهما وهو أعلم مني ms459

4158 وروى عن ابن عباس أيضا أن يوم الألف هو مقدار سير الأمر وعروجه إليه ويوم الألف في سورة الحج هو أحد الأيام الستة التي خلق الله فيها السموات ويوم الخمسين ألفا هو يوم القيامة

فأخرج ابن أبي حاتم من طريق سماك عن عكرمة عن ابن عباس أن رجلا قال له حدثني ما هؤلاء الآيات @QB@ في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة @QE@ و @QB@ يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة @QE@

@QB@ وإن يوما عند ربك كألف سنة @QE@ فقال يوم القيامة حساب خمسين ألف سنة والسموات في ستة أيام كل يوم يكون ألف سنة و @QB@ يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة @QE@ قال ذلك مقدار المسير

4159 وذهب بعضهم إلى أن المراد بهما يوم القيامة وأنه باعتبار حال المؤمن والكافر بدليل قوله @QB@ يوم عسير على الكافرين غير يسير @QE@

فصل

4160 قال الزركشي في البرهان للإختلاف أسباب

أحدها وقوع المخبر به على أنواع مختلفة وتطويرات شتى كقوله في خلق آدم @QB@ من تراب @QE@ ومرة @QB@ من حمإ مسنون @QE@ ومرة @QB@ من طين لازب @QE@ PageV03P076 ومرة @QB@ من صلصال كالفخار @QE@ فهذه ألفاظ مختلفة ومعانيها في أحوال مختلفة لأن الصلصال غير الحمإ والحمأ غيرالتراب إلا أن مرجعها كلها إلى جوهر وهو التراب ومن التراب تدرجت هذه الأحوال

4161 وكقوله @QB@ فإذا هي ثعبان @QE@ وفي موضع @QB@ تهتز كأنها جان @QE@ والجان الصغير من الحيات والثعبان الكبير منها وذلك لأن خلقها خلق الثعبان العظيم واهتزازها وحركتها وخفتها كاهتزاز الجان وخفته

4162 الثاني لاختلاف الموضوع كقوله @QB@ وقفوهم إنهم مسؤولون @QE@ وقوله @QB@ فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين @QE@ مع قوله @QB@ فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان @QE@ قال الحليمي فتحمل الآية الأولى على السؤال عن التوحيد وتصديق الرسل والثانية على ما يستلزمه الإقرار بالنبوات من شرائع الدين وفروعه

وحمله غيره على إختلاف الأماكن لأن في القيامة مواقف كثيرة ففي موضع يسألون وفي آخر لا يسألون وقيل إن السؤال المثبت سؤال ms460 تبكيت وتوبيخ والمنفى سؤال المعذرة وبيان الحجة

4163 وكقوله @QB@ اتقوا الله حق تقاته @QE@ مع قوله @QB@ فاتقوا الله ما استطعتم @QE@ حمل الشيخ أبو الحسن الشاذلي الآية الأولى على التوحيد بدليل قوله بعدها @QB@ ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون @QE@ والثانية على الأعمال

وقيل بل الثانية ناسخة للأولى

وكقوله @QB@ فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة @QE@ مع قوله @QB@ ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم @QE@ فالأولى تفهم إمكان العدل والثانية تنفيه

والجواب أن الأولى في توفية الحقوق والثانية في الميل القلبي وليس في قدرة الإنسان PageV03P077

4164 وكقوله @QB@ إن الله لا يأمر بالفحشاء @QE@ مع قوله @QB@ أمرنا مترفيها ففسقوا فيها @QE@ فالأولى في الأمر الشرعي والثانية في الأمر الكوني بمعنى القضاء والتقدير

4165 الثالث لاختلافهما في جهتي الفعل كقوله @QB@ فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم وما رميت إذ رميت @QE@ أضيف القتل إليهم والرمي إليه صلى الله عليه وسلم على جهة الكسب والمباشرة ونفاه عنهم وعنه باعتبار التأثير

4166 الرابع لاختلافهما في الحقيقة والمجاز كقوله @QB@ وترى الناس سكارى وما هم بسكارى @QE@ أي سكارى من الأهوال مجازا لا من الشراب حقيقة

4167 الخامس بوجهين واعتبارين كقوله @QB@ فبصرك اليوم حديد @QE@ مع قوله @QB@ خاشعين من الذل ينظرون من طرف خفي @QE@ قال قطرب فبصرك أي علمك ومعرفتك بها قوية من قولهم بصر بكذا أي علم وليس المراد رؤية العين

4168 قال الفارسي ويدل على ذلك قوله @QB@ فكشفنا عنك غطاءك @QE@

4169 وكقوله @QB@ الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله @QE@ مع قوله @QB@ إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم @QE@ فقد يظن أن الوجل خلاف الطمأنينة

وجوابه أن الطمأنينة تكون بانشراح الصدر بمعرفة التوحيد والوجل يكون عند خوف الزيغ والذهاب عن الهدى فتوجه القلوب لذلك وقد جمع بينهما في قوله @QB@ تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله @QE@

4170 ومما استشكلوه قوله تعالى @QB@ وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى ويستغفروا ربهم إلا أن تأتيهم سنة الأولين أو يأتيهم العذاب قبلا @QE@ فإنه يدل على حصر المانع من الإيمان في أحد هذين ms461 الشيئين

وقال في آية أخرى @QB@ وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى إلا أن قالوا أبعث @QE@ PageV03P078 الله بشرا رسولا ) فهذا حصر آخر في غيرهما

وأجاب ابن عبد السلام بأن معنى الآية الأولى ( وما منع الناس أن يؤمنوا إلا إرادة أن تأتيهم سنة الأولين من الخسف أو غيره أو يأتيهم العذاب قبلا في الآخرة ) فأخبر أنه أراد أن يصيبهم أحد الأمرين ولا شك أن إرادة الله مانعة من وقوع ما ينافي المراد

فهذا حصر في السبب الحقيقي لأن الله هو المانع في الحقيقة

ومعنى الآية الثانية ( وما منع الناس أن يؤمنوا إلا استغراب بعثه بشرا رسولا ) لأن قولهم ليس مانعا من الإيمان لأنه لا يصلح لذلك وهو يدل على الإستغراب بالإلتزام وهو المناسب للمانعية واستغرابهم ليس مانعا حقيقيا بل عاديا لجواز وجود الإيمان معه بخلاف إرادة الله تعالى فهذا حصر في المانع العادي والأول حصر في المانع الحقيقي فلا تنافى أيضا

4171 ومما استشكل أيضا قوله تعالى @QB@ ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا @QE@ @QB@ فمن أظلم ممن كذب على الله @QE@ مع قوله @QB@ ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه فأعرض عنها ونسي ما قدمت يداه @QE@ @QB@ ومن أظلم ممن منع مساجد الله @QE@ ألى غير ذلك من الآيات

ووجهه أن المراد بالإستفهام هنا النفي والمعنى ( لا أحد أظلم ) فيكون خبرا وإذا كان خبرا وأخذت الآيات على ظواهرها أدى إلى لتناقص

وأجيب بأوجه

منها تخصيص كل موضع بمعنى صلته أي لا أحد من المعاندين أظلم ممن منع مساجد الله ولا أحد من المفترين أظلم ممن افترى على الله كذبا وإذا تخصص بالصلات زال التناقض

ومنها أن التخصيص بالنسبة إلى السبق لما لم يسبق أحد إلى مثله حكم عليهم بأنهم أظلم ممن جاء بعدهم سالكا طريقهم وهذا يئول معناه إلى ما قبله لأن المراد السبق إلى المانعية والإفترائية

ومنها وادعى أبو حيان أنه الصواب أن نفي الأظلمية لا يستدعي نفي PageV03P079 الظالمية لأن نفى المقيد لا يدل على نفي المطلق وإذا لم يدل على نفي الظالمية ms462 لم يلزم التناقض لأن فيها إثبات التسوية في الأظلمية وإذا ثبتت التسوية فيها لم يكن أحد ممن وصف بذلك يزيد على الآخر لأنهم يتساوون في الأظلمية وصار المعنى لا أحد أظلم ممن إفترى وممن منع ونحوها ولا إشكال في تساوي هؤلاء في الأظلمية ولا يدل على أن أحد هؤلاء أظلم من الآخر كما إذا قلت لا أحد أفقه منهم

إنتهى

وحاصل الجواب أن نفي التفضيل لا يلزم منه نفي المساواة

وقال بعض المتأخرين هذا إستفهام مقصود به التهويل والتفظيع من غير قصد إثبات الأظلمية للمذكور حقيقة ولا نفيها عن غيره

4172 وقال الخطابي سمعت ابن أبي هريرة يحكى عن أبي العباس بن سريج قال سأل رجل بعض العلماء عن قوله @QB@ لا أقسم بهذا البلد @QE@ فأخبر أنه لا يقسم به

ثم أقسم به في قوله @QB@ وهذا البلد الأمين @QE@ فقال أيما أحب إليك أجيبك ثم أقطعك أو أقطعك ثم أجيبك فقال أقطعني ثم أجبني فقال له أعلم أن هذا القرآن نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم بحضرة رجال وبين ظهراني قوم كانوا أحرص الخلق على أن يجدوا فيه مغمزا وعليه مطعنا فلو كان هذا عندهم مناقضة لتعلقوا به وأسرعوا بالرد عليه ولكن القوم علموا وجهلت ولم ينكروا منه ما أنكرت

ثم قال له إن العرب قد تدخل ( لا ) في أثناء كلامها وتلغى معناها وأنشد فيه أبياتا

تنبيه

4173 قال الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني إذا تعارضت الآي وتعذر فيها الترتيب والجمع طلب التاريخ وترك المتقدم بالمتأخر ويكون ذلك نسخا وإن لم يعلم وكان الإجماع على العمل بإحدى الآيتين علم بإجماعهم أن الناسخ ما أجمعوا PageV03P080 على العمل بها

قال ولا يوجد في القرآن آيتان متعارضتان تخلوان عن هذين الوضعين

4174 قال غيره وتعارض القراءتين بمنزلة تعارض الآيتين نحو @QB@ وأرجلكم @QE@ بالنصب والجر ولهذا جمع بينهما بحمل النصب على الغسل والجر على مسح الخف

4175 وقال الصيرفي جماع الإختلاف والتناقص أن كل كلام صح أن يضاف بعض ما وقع الاسم عليه إلى وجه من ms463 الوجوه فليس فيه تناقض وإنما التناقض في اللفظ ما ضاده من كل جهة ولا يوجد في الكتاب والسنة شيء من ذلك أبدا وإنما يوجد فيه النسخ في وقتين

4176 وقال القاضي أبو بكر لا يجوز تعارض أي القرآن والآثار وما يوجبه العقل فلذلك لم يجعل قوله @QB@ الله خالق كل شيء @QE@ معارضا لقوله @QB@ وتخلقون إفكا @QE@ @QB@ وإذ تخلق من الطين @QE@ لقيام الدليل العقلي أنه لا خالق غير الله فتعين تأويل ما عارضه فيؤول ( وتخلقون ) على ( تكذبون ) وتخلق على ( تصور )

فائدة

4177 قال الكرماني عند قوله تعالى @QB@ ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا @QE@ الإختلاف على وجهين إختلاف تناقض وهو ما يدعو فيه أحد الشيئين إلى خلاف الآخر وهذا هو الممتنع على القرآن وإختلاف تلازم وهو ما يوافق الجانبين كاختلاف مقادير السور والآيات وإختلاف الأحكام من الناسخ والمنسوخ والأمر والنهي والوعد والوعيد PageV03P081

السابقالتالي

جلال الدين السيوطي (ت ٩١١ هـ) — الإتقان في علوم القرآن. النص من OpenITI النسخة المنظّفة 0911Suyuti.Itqan.JK001295-ara1 (أُزيلت الحواشي والفهارس الحديثة في عملية التنظيف 2023). طبعة الأصل في الميتاداتا: دار الفكر، لبنان، ١٤١٦هـ/١٩٩٦م، تحقيق سعيد المندوب.