علوم القرآن · الإتقان · الفصل ٤٣ من ٩٦

النوع السابع والأربعون في ناسخه ومنسوخه

4047 أفرده بالتصنيف خلائق لا يحصون منهم أبو عبيد القاسم بن سلام وأبو داود السجستاني وأبو جعفر النحاس وابن الأنباري ومكي وابن العربي

وآخرون

4048 قال الأئمة لا يجوز لأحد أن يفسر كتاب الله إلا بعد أن يعرف منه الناسخ والمنسوخ

4049 وقد قال علي لقاض أتعرف الناسخ من المنسوخ قال لا قال هلكت وأهلكت

4050 وفي هذا النوع مسائل

الأولى يرد النسخ بمعنى الإزالة ومنه قوله @QB@ فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته @QE@

4051 وبمعنى التبديل ومنه @QB@ وإذا بدلنا آية مكان آية @QE@

4052 وبمعنى التحويل كتناسخ المواريث بمعنى تحويل الميراث من واحد إلى واحد

4053 وبمعنى النقل من موضع إلى موضع ومنه نسخت الكتاب إذا نقلت ما فيه حاكيا للفظه وخطه

4054 قال مكي وهذا الوجه لا يصح أن يكون في القرآن وأنكر على النحاس إجازته ذلك محتجا بأن الناسخ فيه لا يأتي بلفظ المنسوخ وأنه إنما يأتي بلفظ آخر PageV03P055

4055 وقال السعيدي يشهد لما قاله النحاس قوله تعالى @QB@ إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون @QE@ وقال @QB@ وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم @QE@

4056 ومعلوم أن ما نزل من الوحي نجوما جميعه في أم الكتاب وهو اللوح المحفوظ كما قال تعالى @QB@ في كتاب مكنون لا يمسه إلا المطهرون @QE@

4057 الثانية النسخ مما خص الله به هذه الأمة لحكم منها التيسير وقد أجمع المسلمون على جوازه وأنكره اليهود ظنا منهم أنه بداء كالذي يرى الرأي ثم يبدو له وهو باطل لأنه بيان مدة الحكم كالإحياء بعد الإماتة وعكسه والمرض بعد الصحة وعكسه والفقر بعد الغنى وعكسه وذلك لا يكون ms443 بداء فكذا الأمر والنهي

4058 واختلف العلماء فقيل لا ينسخ القرآن إلا بقرآن لقوله تعالى @QB@ ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها @QE@ قالوا ولا يكون مثل القرآن وخيرا منه إلا قرآن

4059 وقيل بل ينسخ القرآن بالسنة لأنها أيضا من عند الله قال تعالى @QB@ وما ينطق عن الهوى @QE@ وجعل منه آية الوصية الآتية

4060 والثالث إذا كانت السنة بأمر الله من طريق الوحي نسخت وإن كانت باجتهاد فلا

حكاه ابن حبيب النيسابوري في تفسيره

4061 وقال الشافعي حيث وقع نسخ القرآن بالسنة فمعها قرآن عاضد لها وحيث وقع نسخ السنة بالقرآن فمعه سنة عاضدة له ليتبين توافق القرآن والسنة وقد بسطت فروع هذه المسألة في شرح منظومة جمع الجوامع في الأصول

4062 الثالثة لا يقع النسخ إلا في الأمر والنهي ولو بلفظ الخبر أما الخبر الذي ليس بمعنى الطلب فلا يدخله النسخ ومنه الوعد والوعيد

وإذا عرفت ذلك عرفت فساد صنع من أدخل في كتب النسخ كثيرا من آيات الإخبار والوعد والوعيد

4063 الرابعة النسخ أقسام PageV03P056

أحدها نسخ المأمور به قبل امتثاله وهو النسخ على الحقيقة كآية النجوى

الثاني ما نسخ مما كان شرعا لمن قبلنا كآية شرع القصاص والديه أو كان أمر به أمرا جمليا كنسخ التوجه إلى بيت المقدس بالكعبة وصوم عاشوراء برمضان وإنما يسمى هذا نسخا تجوزا

الثالث ما أمر به لسبب ثم يزول السبب كالأمر حين الضعف والقلة بالصبر والصفح ثم نسخ بإيجاب القتال وهذا في الحقيقة ليس نسخا بل هو من قسم المنسأ كما قال تعالى / < أو ننسأها > / فالمنسأ هو الأمر بالقتال إلى أن يقوى المسلمون وفي حال الضعف يكون الحكم وجوب الصبر على الأذى وبهذا يضعف ما لهج به كثيرون من أن الآية في ذلك منسوخة بآية السيف وليس كذلك بل هي من المنسأ بمعنى أن كل أمر ورد يجب امتثاله في وقت ما لعله يقتضي ذلك الحكم ثم ينتقل بانتقال تلك العلة إلى حكم آخر وليس بنسخ أنما النسخ ms444 الإزالة للحكم حتى لا يجوز امتثاله

4064 وقال مكي ذكر جماعة أن ما ورد في الخطاب مشعر بالتوقيت والغاية مثل قوله في البقرة @QB@ فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره @QE@ محكم غير منسوخ لأنه مؤجل بأجل والمؤجل بأجل لا نسخ فيه

4065 الخامسة قال بعضهم سور القرآن باعتبار الناسخ والمنسوخ أقسام قسم ليس فيه ناسخ ولا منسوخ وهو ثلاثة وأربعون سورة الفاتحة ويوسف ويس والحجرات والرحمن والحديد والصف والجمعة والتحريم والملك والحاقة ونوح والجن والمرسلات وعم والنازعات والانفطار وثلاث بعدها والفجر وما بعدها إلى آخر القرآن إلا التين والعصر والكافرين

وقسم فيه الناسخ والمنسوخ وهي خمسة وعشرون البقرة وثلاث بعدها والحج والنور وتالياها والأحزاب وسبأ والمؤمن والشورى والذاريات والطور والواقعة والمجادلة والمزمل والمدثر وكورت والعصر

وقسم فيه الناسخ فقط وهو ست الفتح والحشر والمنافقون والتغابن والطلاق والأعلى PageV03P057

وقسم فيه المنسوخ فقط وهو الأربعون الباقية

كذا قال وفيه نظر يعرف مما سيأتي

4066 السادسة قال مكي الناسخ أقسام

فرض نسخ فرضا ولا يجوز العمل بالأول كنسخ الحبس للزواني بالحد

وفرض نسخ فرضا ويجوز العمل بالأول كآية المصابرة

وفرض نسخ ندبا كالقتال كان ندبا ثم صار فرضا

وندب نسخ فرضا كقيام الليل نسخ بالقراءة في قوله @QB@ فاقرؤوا ما تيسر من القرآن @QE@

4067 السابعة النسخ في القرآن على ثلاثة أضرب

أحدها ما نسخ تلاوته وحكمه معا قالت عائشة كان فيما أنزل ( عشر رضعات معلومات فنسخن بخمس معلومات فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهن مما يقرأ من القرآن ) رواه الشيخان

وقد تكلموا في قولها ( وهن مما يقرأ ) فإن ظاهره بقاء التلاوة وليس كذلك

وأجيب بأن المراد قارب الوفاة أو أن التلاوة نسخت أيضا ولم يبلغ ذلك كل الناس إلا بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم فتوفي وبعض الناس يقرؤها

وقال أبو موسى الأشعري نزلت ثم رفعت

وقال مكي هذا المثال فيه المنسوخ غير متلو والناسخ أيضا غير متلو ولا أعلم له نظيرا

انتهى

4068 الضرب الثاني ما نسخ حكمه دون تلاوته ms445 وهذا الضرب هو الذي فيه الكتب المؤلفة وهو على الحقيقة قليل جدا وإن أكثر الناس من تعداد الآيات فيه فإن المحققين منهم كالقاضي أبي بكر بن العربي بين ذلك وأتقنه

4069 والذي أقوله أن الذي أورده المكثرون أقسام قسم ليس من النسخ في شيء ولا من التخصيص ولا له بهما علاقة بوجه من الوجوه وذلك مثل قوله تعالى @QB@ ومما رزقناهم ينفقون @QE@ و @QB@ أنفقوا من ما رزقناكم @QE@ ونحو ذلك

قالوا PageV03P058 إنه منسوخ بآية الزكاة وليس كذلك بل هو باق أما الأولى فإنها خبر في معرض الثناء عليهم بالإنفاق وذلك يصلح أن يفسر بالزكاة وبالإنفاق على الأهل وبالإنفاق في الأمور المندوبة كالإعانة والإضافة وليس في الآية ما يدل على أنها نفقة واجبة غير الزكاة والآية الثانية يصلح حملها على الزكاة وقد فسرت بذلك

4070 وكذا قوله تعالى @QB@ أليس الله بأحكم الحاكمين @QE@ قيل إنها مما نسخ بآية السيف وليس كذلك لأنه تعالى أحكم الحاكمين أبدا لا يقبل هذا الكلام النسخ وإن كان معناه الأمر بالتفويض وترك المعاقبة

4071 وقوله في البقرة @QB@ وقولوا للناس حسنا @QE@ عده بعضهم من المنسوخ بآية السيف

وقد غلطه ابن الحصار بأن الآية حكاية عما أخذه على بني إسرائيل من الميثاق فهو خبر لا نسخ فيه وقس على ذلك

4072 وقسم هو من قسم المخصوص لا من قسم المنسوخ وقد اعتنى ابن العربي بتحريره فأجاد كقوله @QB@ إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا @QE@ @QB@ والشعراء يتبعهم الغاوون @QE@ @QB@ إلا الذين آمنوا @QE@ @QB@ فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره @QE@ وغير ذلك من الآيات التي خصت باستثناء أو غاية

وقد أخطأ من أدخلها في المنسوخ

4073 ومنه قوله @QB@ ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن @QE@ قيل أنه نسخ بقوله @QB@ والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب @QE@ وإنما هو مخصوص به

4074 وقسم رفع ما كان عليه الأمر في الجاهلية أو في شرائع من قبلنا أو في أول الإسلام ولم ينزل في القرآن كإبطال نكاح نساء الآباء ومشروعية القصاص والدية وحصر الطلاق في الثلاث وهذا إدخاله في قسم الناسخ قريب ms446 ولكن عدم إدخاله أقرب وهو الذي رجحه مكي وغيره ووجهوه بأن ذلك لو عد في الناسخ لعد جميع القرآن منه إذ كله أو أكثره رافع لما كان عليه الكفار وأهل الكتاب

قالوا وإنما حق الناسخ والمنسوخ أن تكون آية نسخت آية

انتهى PageV03P059

نعم النوع الأخير منه وهو رافع ما كان في أول الإسلام إدخاله أوجه من القسمين قبله

4075 إذا عملت ذلك فقد خرج من الآيات التي أوردها المكثرون الجم الغفير مع آيات الصفح والعفو إن قلنا إن آية السيف لم تنسخها وبقي مما يصلح لذلك عدد يسير وقد أفردته بأدلته في تأليف لطيف وها أنا أورده هنا محررا

فمن البقرة

4076 قوله تعالى @QB@ كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت @QE@ الآية منسوخة قيل بأية المواريث وقيل بحديث ( ألا لا وصية لوارث ) وقيل بالإجماع حكاه ابن العربي

4077 قوله تعالى @QB@ وعلى الذين يطيقونه فدية @QE@ قيل منسوخة بقوله @QB@ فمن شهد منكم الشهر فليصمه @QE@ وقيل محكمة و ( لا ) مقدرة

4078 وقوله @QB@ أحل لكم ليلة الصيام الرفث @QE@ ناسخة لقوله @QB@ كما كتب على الذين من قبلكم @QE@ لأن مقتضاها الموافقة فيما كانوا عليه من تحريم الأكل والوطء بعد النوم ذكره ابن العربي

وحكى قولا آخر أنه نسخ لما كان بالسنة

4078 قوله تعالى @QB@ يسألونك عن الشهر الحرام @QE@ الآية منسوخة بقوله @QB@ وقاتلوا المشركين كافة @QE@ الآية أخرجه ابن جرير عن عطاء بن ميسرة

4079 قوله تعالى @QB@ والذين يتوفون منكم @QE@ إلى قوله @QB@ متاعا إلى الحول @QE@ منسوخة بآية أربعة أشهر وعشرا والوصية منسوخة بالميراث والسكنى ثابتة عند قوم منسوخة عند آخرين بحديث ( ولا سكنى )

4080 وقوله تعالى @QB@ وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله @QE@ منسوخة بقوله بعده @QB@ لا يكلف الله نفسا إلا وسعها @QE@ PageV03P060

ومن آل عمران

4081 قوله تعالى @QB@ اتقوا الله حق تقاته @QE@ قيل إنه منسوخ بقوله @QB@ فاتقوا الله ما استطعتم @QE@ وقيل لا بل هو محكم

وليس فيها آية يصح فيها دعوى النسخ غير هذه الآية

ومن النساء

4082 قوله تعالى @QB@ والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم @QE@ منسوخة ms447 بقوله @QB@ وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله @QE@

4083 قوله تعالى @QB@ وإذا حضر القسمة @QE@ الآية قيل منسوخة وقيل لا ولكن تهاون الناس في العمل بها

4084 قوله تعالى @QB@ واللاتي يأتين الفاحشة @QE@ الآية منسوخة بآية النور

ومن المائدة

4085 قوله تعالى @QB@ ولا الشهر الحرام @QE@ منسوخة بإباحة القتال فيه

4086 قوله تعالى @QB@ فإن جاؤوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم @QE@ منسوخة بقوله @QB@ وأن احكم بينهم بما أنزل الله @QE@

4087 وقوله تعالى @QB@ أو آخران من غيركم @QE@ منسوخ بقوله @QB@ وأشهدوا ذوي عدل منكم @QE@

ومن الأنفال

4088 قوله تعالى @QB@ إن يكن منكم عشرون صابرون @QE@ الآية منسوخة بالآية بعدها

ومن براءة

4089 قوله تعالى @QB@ انفروا خفافا وثقالا @QE@ منسوخة بآيات العذر وهو PageV03P061 قوله @QB@ ليس على الأعمى حرج @QE@ الآية وقوله تعالى @QB@ ليس على الضعفاء @QE@ الآيتين وبقوله @QB@ وما كان المؤمنون لينفروا كافة @QE@

ومن النور

4090 قوله تعالى @QB@ الزاني لا ينكح إلا زانية @QE@ الآية منسوخة بقوله @QB@ وأنكحوا الأيامى منكم @QE@

4091 قوله تعالى @QB@ ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم @QE@ الآية قيل منسوخة وقيل لا ولكن تهاون الناس في العمل بها

ومن الأحزاب

4092 قوله تعالى @QB@ لا يحل لك النساء @QE@ الآية منسوخة بقوله @QB@ إنا أحللنا لك أزواجك @QE@ الآية

ومن المجادلة

4093 قوله تعالى @QB@ إذا ناجيتم الرسول فقدموا @QE@ الآية منسوخة بالأية بعدها

ومن الممتحنة

4094 قوله تعالى @QB@ فآتوا الذين ذهبت أزواجهم مثل ما أنفقوا @QE@ قيل منسوخ بآية السيف وقيل بآية الغنيمة وقيل محكم

ومن المزمل

4095 قوله @QB@ قم الليل إلا قليلا @QE@ قيل منسوخ بآخر السورة ثم نسخ الآخر بالصلوات الخمس

4096 فهذه إحدى وعشرون آية منسوخة على خلاف في بعضها لا يصح دعوى النسخ في غيرها

والأصح في آية الإستئذان والقسمة الإحكام فصارت تسعة PageV03P062 عشر ويضم إليها قوله تعالى @QB@ فأينما تولوا فثم وجه الله @QE@ على رأي ابن عباس أنها منسوخة بقوله @QB@ فول وجهك شطر المسجد الحرام @QE@ الآية فتمت عشرون

4097 وقد نظمتها في أبيات فقلت

( قد أكثر الناس في المنسوخ من عدد % وأدخلوا فيه آيا ليس تنحصر )

( وهاك تحرير آي لا مزيد لها % عشرين حررها ms448 الحذاق والكبر )

( آي التوجه حيث المرء كان وأن % يوصي لأهليه عند الموت محتضر )

( وحرمة الأكل بعد النوم من رفث % وفدية لمطيق الصوم مشتهر )

( وحق تقواه فيما صح من أثر % وفي الحرام قتال للألي كفروا )

( والاعتداد بحول مع وصيتها % وأن يدان حديث النفس والفكر )

( والحلف والحبس للزاني وترك أولى % كفروا شهادتهم والصبر والنفر )

( ومنع عقد لزان أو لزانية % وما على المصطفى في العقد محتظر )

( ودفع مهر لمن جاءت وآية نجواه % كذاك قيام الليل مستطر )

( وزيد آية الاستئذان من ملكت % وآية القسمة الفضلى لمن حضروا )

4098 فإن قلت ما الحكمة في رفع الحكم وبقاء التلاوة

فالجواب من وجهين

أحدهما أن القرآن كما يتلى ليعرف الحكم منه والعمل به فيتلى لكونه كلام الله فيثاب عليه فتركت التلاوة لهذه الحكمة

والثاني أن النسخ غالبا يكون للتخفيف فأبقيت التلاوة تذكيرا للنعمة ورفع المشقة وأما ما ورد في القرآن ناسخا لما كان عليه الجاهلية أو كان في شرع من قبلنا أو في أول الإسلام فهو أيضا قليل العدد كنسخ استقبال بيت المقدس بآية القبلة وصوم عاشوراء بصوم رمضان في أشياء أخر حررتها في كتابي المشار إليه

فوائد منثورة

4099 قال بعضهم ليس في القرآن ناسخ إلا والمنسوخ قبله في الترتيب إلا في آيتين آية العدة في البقرة وقوله @QB@ لا يحل لك النساء @QE@ تقدم PageV03P063

وزاد بعضهم ثالثة وهي آية الحشر في الفئ على رأي من قال إنها منسوخة بآية الأنفال @QB@ واعلموا أنما غنمتم من شيء @QE@

وزاد قوم رابعة وهي قوله @QB@ خذ العفو @QE@ يعني الفضل من أموالهم على رأي من قال إنها منسوخة بآية الزكاة

4100 وقال ابن العربي كل ما في القرآن من الصفح عن الكفار والتولي والإعراض والكف عنهم فهو منسوخ بآية السيف وهي @QB@ فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين @QE@ الآية نسخت مائة وأربعا وعشرين آية ثم نسخ آخرها أولها

انتهى وقد تقدم ما فيه

4101 وقال أيضا من عجيب المنسوخ قوله تعالى @QB@ خذ العفو @QE@ الآية فإن أولها وآخرها وهو @QB@ وأعرض عن الجاهلين @QE@ منسوخ ووسطها محكم ms449

وهو @QB@ وأمر بالعرف @QE@

4102 وقال من عجيبه أيضا آية أولها منسوخ وآخرها ناسخ ولا نظير لها وهي قوله @QB@ عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم @QE@ يعني بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فهذا ناسخ لقوله @QB@ عليكم أنفسكم @QE@

4103 وقال السعيدي لم يمكث منسوخ مدة أكثر من قوله تعالى @QB@ قل ما كنت بدعا من الرسل @QE@ الآية مكثت ست عشرة سنة حتى نسخها أول الفتح عام الحديبية

4104 وذكر هبة الله بن سلامة الضرير أنه قال في قوله تعالى @QB@ ويطعمون الطعام على حبه @QE@ الآية إن المنسوخ من هذه الجملة @QB@ وأسيرا @QE@ والمراد بذلك أسير المشركين فقرئ عليه الكتاب وابنته تسمع فلما انتهى إلى هذا الموضع قالت له أخطأت يا أبت قال وكيف قالت أجمع المسلمون على أن الأسير يطعم ولا يقتل جوعا فقال صدقت

4105 وقال شيذلة في البرهان يجوز نسخ الناسخ فيصير منسوخا كقوله PageV03P064 @QB@ لكم دينكم ولي دين @QE@ نسخها قوله تعالى @QB@ فاقتلوا المشركين @QE@ ثم نسخ هذه بقوله @QB@ حتى يعطوا الجزية @QE@ كذا قال وفيه نظر من وجهين

أحدهما ما تقدمت الإشارة إليه

والآخر أن قوله @QB@ حتى يعطوا الجزية @QE@ مخصص للآية لا ناسخ

نعم يمثل له بأخر سورة المزمل فإنه ناسخ لأولها منسوخ بفرض الصلوات

4106 وقوله @QB@ انفروا خفافا وثقالا @QE@ ناسخ لآيات الكف منسوخ بآيات العذر

4107 وأخرج أبو عبيد عن الحسن وأبي ميسرة قالا ليس في المائدة منسوخ

ويشكل بما في المستدرك عن ابن عباس أن قوله @QB@ فاحكم بينهم أو أعرض عنهم @QE@ منسوخ بقوله @QB@ وأن احكم بينهم بما أنزل الله @QE@

4108 وأخرج أبو عبيد وغيره عن ابن عباس قال أول ما نسخ من القرآن نسخ القبلة

4109 وأخرج أبو داود في ناسخه من وجه آخر عنه قال أول آية نسخت من القرآن القبلة ثم الصيام الأول

4110 قال مكي وعلى هذا فلم يقع في المكي ناسخ

قال وقد ذكر أنه وقع في آيات منها قوله تعالى في سورة غافر @QB@ يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا @QE@ فإنه ناسخ لقوله @QB@ ويستغفرون لمن في ms450 الأرض @QE@

4111 قلت أحسن من هذه نسخ قيام الليل في أول سورة المزمل بآخرها أو بإيجاب الصلوات الخمس وذلك بمكة اتفاقا

1 - تنبيه

4112 قال ابن الحصار إنما يرجع في النسخ إلى نقل صريح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أو عن صحابي يقول آية كذا نسخت كذا PageV03P065

4113 قال وقد يحكم به عند وجود التعارض المقطوع به من علم التاريخ ليعرف المتقدم والمتأخر

4114 قال ولا يعتمد في النسخ قول عوام المفسرين بل ولا اجتهاد المجتهدين من غير نقل صحيح ولا معارضة بينة لأن النسخ يتضمن رفع حكم وإثبات حكم تقرر في عهده صلى الله عليه وسلم والمعتمد فيه النقل والتاريخ دون الرأي والاجتهاد

4115 قال والناس في هذا بين طرفي نقيض فمن قائل لا يقبل في النسخ أخبار الآحاد العدول ومن متساهل يكتفي فيه بقول مفسر أو مجتهد

والصواب خلاف قولهما

انتهى

4116 الضرب الثالث ما نسخ تلاوته دون حكمه وقد أورد بعضهم فيه سؤالا وهو ما الحكمة في رفع التلاوة مع بقاء الحكم وهلا بقيت التلاوة ليجتمع العمل بحكمها وثواب تلاوتها

وأجاب صاحب الفنون بأن ذلك ليظهر به مقدار طاعة هذه الأمة في المسارعة إلى بذل النفوس بطريق الظن من غير استفصال لطلب طريق مقطوع به فيسرعون بأيسر شيء كما سارع الخليل إلى ذبح ولده بمنام والمنام أدنى طريق الوحي وأمثلة هذا الضرب كثيرة

4117 قال أبو عبيد حدثنا إسماعيل بن إبراهيم عن أيوب عن نافع عن ابن عمر قال لا يقولن أحدكم قد أخذت القرآن كله وما يدريه ما كله قد ذهب منه قرآن كثير ولكن ليقل قد أخذت منه ما ظهر

4118 وقال حدثنا ابن أبي مريم عن ابن لهيعة عن أبي الأسود عن عروة بن الزبير عن عائشة قالت كانت سورة الأحزاب تقرأ في زمن النبي صلى الله عليه وسلم مائتي آية فلما كتب عثمان المصاحف لم يقدر منها إلا على ما هو الآن

4119 وقال حدثنا إسماعيل بن جعفر عن المبارك بن ms451 فضالة عن عاصم بن أبي النجود عن زر بن حبيش قال قال لي أبي بن كعب كأي تعد سورة الأحزاب قلت اثنتين وسبعين آية أو ثلاثة وسبعين آية قال إن كانت لتعدل سورة البقرة وإن كنا لنقرأ فيها آية الرجم

قلت وما آية الرجم قال ( إذا زنى الشيخ والشيخة فارجموهما البتة نكالا من الله والله عزيز حكيم ) PageV03P066

4120 وقال حدثنا عبد الله بن صالح عن الليث عن خالد بن يزيد عن سعيد بن أبي هلال عن مروان بن عثمان عن أبي أمامة بن سهل أن خالته قالت لقد أقرأنا رسول الله صلى الله عليه وسلم آية الرجم ( الشيخ والشيخة فارجموهما البتة بما قضيا من اللذة )

4121 وقال حدثنا حجاج عن ابن جريج أخبرني ابن أبي حميد عن حميدة بنت أبي يونس قالت قرأ علي أبي وهو ابن ثمانين سنة في مصحف عائشة ( إن الله وملائكته يصلون على النبي يأيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما

وعلى الذين يصلون الصفوف الأول ) قالت قبل أن يغير عثمان المصاحف

4122 وقال حدثنا عبد الله بن صالح عن هشام بن سعد عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي واقد الليثي قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أوحي إليه أتيناه فعلمنا مما أوحي إليه

قال فجئت ذات يوم فقال إن الله يقول ( إنا أنزلنا المال لإقام الصلاة وإيتاء الزكاة ولو أن لابن آدم واديا لأحب أن يكون إليه الثاني ولو كان له الثاني لأحب أن يكون إليهما الثالث ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ويتوب الله على من تاب )

4123 وأخرج الحاكم في المستدرك عن أبي بن كعب قال قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله أمرني أن أقرأ عليك القرآن فقرأ @QB@ لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين @QE@ ومن بقيتها ( لو أن ابن آدم سأل واديا من مال فأعطيه سأل ثانيا وإن سأل ثانيا فأعطيه سأل ثالثا ولا يملأ جوف ابن آدم إلا ms452 التراب ويتوب الله على من تاب

وإن ذات الدين عند الله الحنيفية غير اليهودية ولا النصرانية ومن يعمل خيرا فلن يكفره )

4124 وقال أبو عبيد حدثنا حجاج عن حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن أبي حرب ابن أبي الأسود عن أبي موسى الأشعري قال نزلت سورة نحو براءة ثم رفعت وحفظ منها ( أن الله سيؤيد هذا الدين بأقوام لا خلاق لهم ولو أن لابن آدم واديين من مال لتمنى واديا ثالثا ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ويتوب الله على من تاب )

4125 وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي موسى الأشعري قال كنا نقرأ سورة نشبهها المسبحات فأنسيناها غير أني حفظت منها ( يأيها الذين آمنوا لا تقولوا مالا PageV03P067 تفعلون فتكتب شهادة في أعناقكم فتسألون عنها يوم القيامة )

4126 وقال أبو عبيد حدثنا حجاج عن سعيد عن الحكم بن عتيبة عن عدي بن عدي قال قال عمر كنا نقرأ ( لا ترغبوا عن آبائكم فإنه كفر بكم ) ثم قال لزيد بن ثابت أكذلك قال نعم

4127 وقال حدثنا ابن أبي مريم عن نافع بن عمر الجمحي وحدثني ابن أبي مليكة عن المسور بن مخرمة قال قال عمر لعبد الرحمن بن عوف ألم تجد فيما أنزل علينا ( أن جاهدوا كما جاهدتم أول مرة ) فإنا لا نجدها قال أسقطت فيما أسقط من القرآن

4128 وقال حدثنا ابن أبي مريم عن ابن لهيعة عن يزيد بن عمرو المعافري عن أبي سفيان الكلاعي أن مسلمة بن مخلد الأنصاري قال لهم ذات يوم أخبروني بآيتين في القرآن لم يكتبا في المصحف فلم يخبروه وعندهم أبو الكنود سعد بن مالك فقال مسلمة ( إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم ألا أبشروا أنتم المفلحون والذين آووهم ونصروهم وجادلوا عنهم القوم الذين غضب الله عليهم أولئك لا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون )

4129 وأخرج الطبراني في الكبير إن ابن عمر قال قرأ رجلان سورة أقرأهما رسول الله ms453 صلى الله عليه وسلم فكانا يقرآن بها فقاما ذات ليلة يصليان فلم يقدرا منها على حرف فأصبحا غاديين على رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرا ذلك له فقال ( إنها مما نسخ فالهوا عنها )

4130 وفي الصحيحين عن أنس في قصة أصحاب بئر معونة الذين قتلوا وقنت يدعو على قاتليهم قال أنس ونزل فيهم قرآن قرأناه حتى رفع ( أن بلغوا عنا قومنا أنا لقينا ربنا فرضي عنا وأرضانا )

4131 وفي المستدرك عن حذيفة قال ما تقرءون ربعها يعني براءة

4132 قال الحسين بن المنادي في كتابه ( الناسخ والمنسوخ ) ومما رفع رسمه من القرآن ولم يرفع من القلوب حفظه سورتا القنوت في الوتر وتسمى سورتي الخلع والحفد PageV03P068

2 - تنبيه

4133 حكى القاضي أبو بكر في الانتصار عن قوم إنكار هذا الضرب لأن الأخبار فيه أخبار آحاد ولا يجوز القطع على إنزال قرآن ونسخه بأخار آحاد لا حجة فيها

4134 وقال أبو بكر الرازي نسخ الرسم والتلاوة إنما يكون بأن ينسيهم الله إياه ويرفعه من أوهامهم ويأمرهم بالإعراض عن تلاوته وكتبه في المصحف فيندرس على الأيام كسائر كتب الله القديمة التي ذكرها في كتابه في قوله @QB@ إن هذا لفي الصحف الأولى صحف إبراهيم وموسى @QE@ ولا يعرف اليوم منها شيء

ثم لا يخلو ذلك من أن يكون في زمان النبي صلى الله عليه وسلم حتى إذا توفي لا يكون متلوا في القرآن أو يموت وهو متلو موجود بالرسم ثم ينسيه الله الناس ويرفعه من أذهانهم

وغير جائز نسخ شيء من القرآن بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم

انتهى

4135 وقال في البرهان في قول عمر لولا أن يقول الناس زاد عمر في كتاب الله لكتبتها يعني آية الرجم ظاهره أن كتابتها جائزة وإنما منعه قول الناس والجائز في نفسه قد يقوم من خارج ما يمنعه فإذا كانت جائزة لزم أن تكون ثابتة لأن هذا شأن المكتوب

وقد يقال لو كانت التلاوة باقية لبادر عمر ولم يعرج على مقالة الناس لأن مقالة الناس ms454 لا تصلح مانعا

وبالجملة هذه الملازمة مشكلة ولعله كان يعتقد أنه خبر واحد والقرآن لا يثبت به وإن ثبت الحكم ومن هنا أنكر ابن ظفر في ( الينبوع ) عد هذا مما نسخ تلاوته قال لأن خبر الواحد لا يثبت القرآن

قال وإنما هذا المنسأ لا النسخ وهما مما يلتبسان والفرق بينهما أن المنسأ لفظه قد يعلم حكمه

انتهى PageV03P069

4136 وقوله ( لعله كان يعتقد أنه خبر واحد ) مردود فقد صح أنه تلقاها من النبي صلى الله عليه وسلم

4137 وأخرج الحاكم من طريق كثير بن الصامت قال كان زيد بن ثابت وسعيد بن العاص يكتبان المصحف فمرا على هذه الآية فقال زيد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ( الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة ) فقال عمر لما نزلت أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت أكتبها فكأنه كره ذلك فقال عمر ألا ترى أن الشيخ إذا زنى ولم يحصن جلد وأن الشاب إذا زنى وقد أحصن رجم

4138 قال ابن حجر في شرح المنهاج فيستفاد من هذا الحديث السبب في نسخ تلاوتها لكون العمل على غير الظاهر من عمومها

4139 قلت وخطر لي في ذلك نكتة حسنة وهو أن سببه التخفيف على الأمة بعدم اشتهار تلاوتها وكتابتها في المصحف وإن كان حكمها باقيا لأنه أثقل الأحكام وأشدها وأغلظ الحدود وفيه الإشارة إلى ندب الستر

4140 وأخرج النسائي أن مروان بن الحكم قال لزيد بن ثابت ألا تكتبها في المصحف قال ألا ترى أن الشابين الثيبين يرجمان ولقد ذكرنا ذلك فقال عمر أنا أكفيكم فقال يا رسول الله اكتب لي آية الرجم قال لا تستطيع

قوله ( اكتب لي ) أي ائذن لي في كتابتها أو مكني من ذلك

4141 وأخرج ابن الضريس في فضائل القرآن عن يعلى بن حكيم عن زيد بن أسلم أن عمر خطب الناس فقال لا تشكوا في الرجم فإنه حق ولقد هممت أن أكتبه في المصحف فسألت أبي بن كعب فقال أليس أتيتني وأنا أستقرئها رسول الله صلى ms455 الله عليه وسلم فدفعت في صدري وقلت تستقرئه آية الرجم وهم يتسافدون تسافد الحمر

4142 قال ابن حجر وفيه إشارة إلى بيان السبب في رفع تلاوتها وهو الاختلاف PageV03P070

3 - تنبيه

4143 قال ابن الحصار في هذا النوع إن قيل كيف يقع النسخ إلى غير بدل وقد قال تعالى @QB@ ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها @QE@ وهذا إخبار لا يدخله خلف

فالجواب أن نقول كل ما ثبت الآن في القرآن ولم ينسخ فهو بدل مما قد نسخت تلاوته وكل ما نسخه الله من القرآن مما لا نعلمه الآن فقد أبدله بما علمناه وتواتر إلينا لفظه ومعناه PageV03P071

السابقالتالي

جلال الدين السيوطي (ت ٩١١ هـ) — الإتقان في علوم القرآن. النص من OpenITI النسخة المنظّفة 0911Suyuti.Itqan.JK001295-ara1 (أُزيلت الحواشي والفهارس الحديثة في عملية التنظيف 2023). طبعة الأصل في الميتاداتا: دار الفكر، لبنان، ١٤١٦هـ/١٩٩٦م، تحقيق سعيد المندوب.