النوع السادس والأربعون — في مجمله ومبينه
4015 المجمل مالم تتضح دلالته وهو واقع في القرآن خلافا لداود الظاهري وفي جواز بقائه مجملا أقوال أصحها لا يبقى المكلف بالعمل به بخلاف غيره
4016 وللإجمال أسباب
منها الاشتراك نحو @QB@ والليل إذا عسعس @QE@ فإنه موضوع لأقبل وأدبر @QB@ ثلاثة قروء @QE@ فإن القرء موضوع للحيض والطهر @QB@ أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح @QE@ يحتمل الزوج والولي فإن كلا منهما بيده عقدة النكاح
4017 ومنها الحذف نحو @QB@ وترغبون أن تنكحوهن @QE@ يحتمل ( في ) و ( عن )
4018 ومنها اختلاف مرجع الضمير نحو @QB@ إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه @QE@ يحتمل عود ضمير الفاعل في ( يرفعه ) إلى ما عاد عليه ضمير ( إليه ) وهو الله
ويحتمل عوده إلى العمل والمعنى أن العمل الصالح هو الذي يرفع الكلم الطيب
ويحتمل عوده إلى الكلم الطيب أي أن الكلم الطيب وهو التوحيد يرفع العمل الصالح لأنه لا يصح العمل إلا مع الإيمان
4019 ومنها احتمال العطف والاستئناف نحو @QB@ إلا الله والراسخون في العلم يقولون @QE@ PageV03P049
4020 ومنها غرابة اللفظ نحو @QB@ فلا تعضلوهن @QE@
4021 ومنها عدم كثرة الاستعمال الآن نحو @QB@ يلقون السمع @QE@ أي يسمعون @QB@ ثاني عطفه @QE@ أي متكبرا @QB@ فأصبح يقلب كفيه @QE@ أي نادما
4022 ومنها التقديم والتأخير نحو @QB@ ولولا كلمة سبقت من ربك لكان لزاما وأجل مسمى @QE@ أي ولولا كلمة وأجل مسمى لكان لزاما @QB@ يسألونك كأنك حفي عنها @QE@ أي يسألونك عنها كأنك حفي
4023 ومنها قلب المنقول نحو @QB@ وطور سينين @QE@ أي سيناء @QB@ على إل ياسين @QE@ أي على الياس
4024 ومنها التكرير القاطع لوصل الكلام في الظاهر نحو @QB@ للذين استضعفوا لمن آمن منهم @QE@
فصل
4025 قد يقع التبيين متصلا نحو @QB@ من الفجر @QE@ بعد قوله @QB@ الخيط الأبيض من الخيط الأسود @QE@
4026 ms439 ومنفصلا في آية أخرى نحو @QB@ فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره @QE@ بعد قوله @QB@ الطلاق مرتان @QE@ فإنها بينت أن المراد به الطلاق الذي يملك الرجعة بعده ولولاها لكان الكل منحصرا في الطلقتين
4027 وقد أخرج أحمد وأبو داود في ناسخه وسعيد بن منصور وغيرهم عن أبي رزين الأسدي قال قال رجل يا رسول الله أرأيت قول الله @QB@ الطلاق مرتان @QE@ فأين الثالثة قال التسريح بإحسان
4028 وأخرج ابن مردويه عن أنس قال قال رجل يا رسول الله ذكر الله الطلاق مرتين فأين الثالثة قال @QB@ فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان @QE@ PageV03P050
4029 وقوله @QB@ وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة @QE@ دال على جواز الرؤية ومفسر أن المراد بقوله @QB@ لا تدركه الأبصار @QE@ لا تحيط به دون ( لا تراه )
4030 وقد أخرج ابن جرير من طريق العوفي عن ابن عباس في قوله @QB@ لا تدركه الأبصار @QE@ لا تحيط به
4031 وأخرج عن عكرمة أنه قيل له عند ذكر الرؤية أليس قد قال @QB@ لا تدركه الأبصار @QE@ فقال ألست ترى السماء أفكلها ترى
4032 وقوله @QB@ أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم @QE@ الآية فسره قوله @QB@ حرمت عليكم الميتة @QE@
4033 وقوله @QB@ مالك يوم الدين @QE@ فسره قوله @QB@ وما أدراك ما يوم الدين ثم ما أدراك ما يوم الدين يوم لا تملك @QE@ الآية
4034 وقوله @QB@ فتلقى آدم من ربه كلمات @QE@ فسره قوله @QB@ قالا ربنا ظلمنا أنفسنا @QE@ الآية
4035 وقوله @QB@ وإذا بشر أحدهم بما ضرب للرحمن مثلا @QE@ فسره قوله في آية النحل @QB@ بالأنثى @QE@
4036 وقوله @QB@ وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم @QE@ قال العلماء بيان هذا العهد قوله @QB@ لئن أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وآمنتم برسلي @QE@ إلى آخره فهذا عهده وعهدهم @QB@ لأكفرن عنكم سيئاتكم @QE@ إلى آخره
4037 وقوله @QB@ صراط الذين أنعمت عليهم @QE@ بينه قوله @QB@ أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين @QE@ الآية
4038 وقد يقع التبيين بالسنة مثل @QB@ وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة @QE@ @QB@ ولله على @QE@ PageV03P051 @QB@ الناس حج البيت @QE@ ) وقد بينت السنة أفعال الصلاة والحج ومقادير نصب الزكوات في أنواعها
1 - تنبيه
4039 اختلف ms440 في آيات هل هي من قبيل المجمل أو لا
4040 منها آية السرقة قيل إنها مجملة في اليد لأنها تطلق على العضو إلى الكوع وإلى المرفق وإلى المنكب وفي القطع لأنه يطلق على الإبانة وعلى الجرح ولا ظهور لواحد من ذلك وإبانة الشارع من الكوع تبين أن المراد ذلك
وقيل لا إجمال فيها لأن القطع ظاهر في الإبانة
4041 ومنها @QB@ وامسحوا برؤوسكم @QE@ قيل إنها مجملة لترددها بين مسح الكل والبعض ومسح الشارع الناصية مبين لذلك
وقيل لا وإنما هي لمطلق المسح الصادق بأقل ما يطلق عليه الاسم ويفيده
4042 ومنها @QB@ حرمت عليكم أمهاتكم @QE@ قيل مجملة لأن إسناد التحريم إلى العين لا يصح لأن إنما يتعلق بالفعل فلا بد من تقديره وهو محتمل لأمور لا حاجة إلى جميعها ولا مرجح لبعضها
وقيل لا لوجود المرجح وهو العرف فإنه يقضي بأن المراد تحريم الاستمتاع بوطء أو نحوه ويجري ذلك في كل ما علق فيه التحريم والتحليل بالأعيان
4043 ومنها @QB@ وأحل الله البيع وحرم الربا @QE@ قيل إنها مجملة لأن الربا الزيادة وما من بيع إلا وفيه زيادة فافتقر إلى بيان ما يحل وما يحرم
وقيل لا لأن البيع منقول شرعا فحمل على عمومه مالم يقم دليل التخصيص
4044 وقال الماوردي للشافعي في هذه الآية أربعة أقوال
أحدها أنها عامة فإن لفظها لفظ عموم يتناول كل بيع ويقتضي إباحة جميعها إلا ما خصه الدليل وهذا القول أصحها عند الشافعي وأصحابه لأنه صلى الله عليه وسلم نهى عن بيوع كانوا يعتادونها ولم يبين الجائز فدل على أن الآية تناولت إباحة جميع البيوع إلا ما خص منها فبين صلى الله عليه وسلم المخصوص
قال فعلى هذا في العموم قولان PageV03P052
أحدهما أنه عموم أريد به العموم وإن دخله التخصيص
والثاني أنه عموم أريد به الخصوص قال والفرق بينهما أن البيان في الثاني متقدم على اللفظ وفي الأول متأخر عنه مقترن به
قال وعلى القولين يجوز الاستدلال بالآية في المسائل المختلف فيها ما لم يقع دليل تخصيص
والقول ms441 الثاني أنها مجملة لا يعقل منها صحه بيع من فساده إلا ببيان النبي صلى الله عليه وسلم قال ثم هل هي مجملة بنفسها أم بعارض ما نهي عنه من البيوع وجهان
وهل الإجمال في المعنى المراد دون لفظها لأن لفظ البيع اسم لغوي معناه معقول لكن لما قام بإزائه من السنة ما يعارضه تدافع العمومان ولم يتعين المراد إلا ببيان السنة فصار محلا لذلك دون اللفظ أو في اللفظ أيضا لأنه لما لم يكن المراد منه ما وقع عليه الاسم وكانت له شرائط غير معقولة في اللغة كان مشكلا أيضا وجهان
قال وعلى الوجهين لا يجوز الاستدال بها على صحة بيع ولا فساده وإن دلت على صحة البيع من أصله
قال وهذا هو الفرق بين العموم والمجمل حيث جاز الاستدلال بظاهر العموم ولم يجز الاستدلال بظاهر المجمل
والقول الثالث أنها عامة مجملة معا قال واختلف في وجه ذلك على أوجه
أحدها أن العموم في اللفظ والإجمال في المعنى فيكون اللفظ عاما مخصوصا والمعنى مجملا لحقه التفسير
والثاني أن العموم في @QB@ وأحل الله البيع @QE@ والإجمال في @QB@ وحرم الربا @QE@
والثالث أنه كان مجملا فلما بينه صلى الله عليه وسلم صار عاما فيكون داخلا في المجمل قبل البيان وفي العموم بعد البيان فعلى هذا يجوز الاستدلال بظاهرها في البيوع المختلف فيها
والقول الرابع أنها تناولت بيعا معهودا ونزلت بعد أن أحل النبي صلى الله عليه وسلم بيوعا وحرم بيوعا فاللام للعهد فعلى هذا لا يجوز الاستدلال بظاهرها
انتهى
4045 ومنها الآيات التي فيها الأسماء الشرعية نحو @QB@ وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة @QE@ @QB@ فمن شهد منكم الشهر فليصمه @QE@ @QB@ ولله على الناس حج البيت @QE@ قيل PageV03P053 إنها مجملة لاحتمال الصلاة لكل دعاء والصوم لكل إمساك والحج لكل قصد والمراد بها لا تدل عليه اللغة فافتقر إلى البيان
وقيل لا بل يحمل على كل ما ذكر إلا ما خص بدليل
2 - تنبيه
4046 قال ابن الحصار من الناس من جعل المجمل والمحتمل بإزاء شيء واحد
قال والصواب أن المجمل ms442 اللفظ المبهم الذي لا يفهم المراد منه والمحتمل اللفظ الواقع بالوضع الأول على معنيين مفهومين فصاعدا سواء كان حقيقة في كلها أو بعضها
قال والفرق بينهما أن المحتمل يدل على أمور معروفة واللفظ مشترك متردد بينهما والمبهم لا يدل على أمر معروف مع القطع بأن الشارع لم يفوض لأحد بيان المجمل بخلاف المحتمل PageV03P054
جلال الدين السيوطي (ت ٩١١ هـ) — الإتقان في علوم القرآن. النص من OpenITI النسخة المنظّفة 0911Suyuti.Itqan.JK001295-ara1 (أُزيلت الحواشي والفهارس الحديثة في عملية التنظيف 2023). طبعة الأصل في الميتاداتا: دار الفكر، لبنان، ١٤١٦هـ/١٩٩٦م، تحقيق سعيد المندوب.