النوع الرابع والأربعون — في مقدمه ومؤخره
وهو قسمان
3915 الأول ما أشكل معناه بحسب الظاهر فلما عرف أنه من باب التقديم والتأخير اتضح
وهو جدير أن يفرد بالتصنيف وقد تعرض السلف لذلك في آيات
3916 فأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله تعالى @QB@ ولا تعجبك أموالهم وأولادهم إنما يريد الله أن يعذبهم بها في الدنيا @QE@ قال هذا من تقاديم الكلام يقول ( لا تعجبك أموالهم ولا أولادهم في الحياة الدنيا إنما يريد الله ليعذبهم بها في الآخرة )
3917 وأخرج عنه أيضا في قوله تعالى @QB@ ولولا كلمة سبقت من ربك لكان لزاما وأجل مسمى @QE@ قال هذا من مقاديم الكلام يقول ( لولا كلمة وأجل مسمى لكان لزاما )
3918 وأخرج عن مجاهد في قوله تعالى @QB@ أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا قيما @QE@ قال هذا من التقديم والتأخير ( أنزل على عبده الكتاب قيما ولم يجعل له عوجا )
3919 وأخرج عن قتادة في قوله تعالى @QB@ إني متوفيك ورافعك إلي @QE@ قال هذا من المقدم والمؤخر أي رافعك إلي ومتوفيك
3920 وأخرج عن عكرمة في قوله تعالى @QB@ لهم عذاب شديد بما نسوا يوم @QE@ @QB@ الحساب @QE@ ) قال هذا من التقديم والتأخير يقول ( لهم يوم الحساب عذاب شديد بما نسوا )
3921 وأخرج ابن جرير عن ابن زيد في قوله تعالى @QB@ ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلا @QE@ PageV03P033 قال هذه الآية مقدمة ومؤخرة إنما هي ( أذاعوا به إلا قليلا منهم ولولا فضل الله عليكم ورحمته لم ينج قليل ولا كثير )
3922 وأخرج عن ابن عباس في قوله تعالى @QB@ فقالوا أرنا الله جهرة @QE@ قال إنهم إذا رأوا الله فقد رأوه إنما قالوا ( جهرة أرنا الله ) قال هو مقدم ومؤخر
قال ابن جرير يعني أن سؤالهم ms428 كان جهرة
3923 ومن ذلك قوله @QB@ وإذ قتلتم نفسا فادارأتم فيها @QE@ قال البغوي هذه أول القصة وإن كان مؤخرا في التلاوة
3924 وقال الواحدي كان الاختلاف في القاتل قبل ذبح البقرة وإنما أخر في الكلام لأنه تعالى لما قال @QB@ إن الله يأمركم @QE@ الآية علم المخاطبون أن البقرة لا تذبح إلا للدلالة على قاتل خفيت عينه عليهم فلما استقر علم هذا في نفوسهم أتبع بقوله @QB@ وإذ قتلتم نفسا فادارأتم فيها @QE@ فسألتم موسى فقال @QB@ إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة @QE@
3925 ومنه @QB@ أرأيت من اتخذ إلهه هواه @QE@ والأصل ( هواه إلهه ) لأن من اتخذ إلهه هواه غير مذموم فقدم المفعول الثاني للعناية به
3926 وقوله @QB@ والذي أخرج المرعى فجعله غثاء أحوى @QE@ على تفسير ( أحوى ) بالأخضر
وجعله نعتا للمرعى أي أخرجه أحوى وأخر رعاية للفاصلة
3927 وقوله @QB@ وغرابيب سود @QE@ والأصل ( سود غرابيب ) لأن الغربيب الشديد السواد
3928 وقوله @QB@ فضحكت فبشرناها @QE@ أي فبشرناها فضحكت PageV03P034
3929 وقوله @QB@ ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه @QE@ أي لهم بها وعلى هذا فالهم منفي عنه
3930 الثاني ما ليس كذلك وقد ألف فيه العلامة شمس الدين بن الصائغ كتابه ( المقدمة في سر الألفاظ المقدمة ) قال فيه الحكمة الشائعة الذائعة في ذلك الاهتمام كما قال سيبويه في كتابه كأنهم يقدمون الذي بيانه أهم وهم ببيانه أعنى
3931 قال هذه الحكمة إجمالية وأما تفاصيل أسباب التقديم وأسراره فقد ظهر لي منها في الكتاب العزيز عشرة أنواع
الأول التبرك كتقديم اسم الله تعالى في الأمور ذات الشأن ومنه قوله تعالى @QB@ شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم @QE@ وقوله @QB@ واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول @QE@ الآية
3932 الثاني التعظيم كقوله @QB@ ومن يطع الله والرسول @QE@ @QB@ إن الله وملائكته يصلون @QE@ @QB@ والله ورسوله أحق أن يرضوه @QE@
3933 الثالث التشريف كتقديم الذكر على الأنثى نحو @QB@ إن المسلمين والمسلمات @QE@ الآية والحر في قوله @QB@ الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى @QE@ والحي في قوله @QB@ يخرج الحي من الميت @QE@ الآية @QB@ وما يستوي ms429 الأحياء ولا الأموات @QE@ والخيل في قوله @QB@ والخيل والبغال والحمير لتركبوها @QE@ والسمع في قوله @QB@ وعلى سمعهم وعلى أبصارهم @QE@ وقوله @QB@ إن السمع والبصر والفؤاد @QE@ وقوله @QB@ إن أخذ الله سمعكم وأبصاركم @QE@ حكى ابن عطية عن النقاش أنه استدل بها على تفضيل السمع والبصر ولذا وقع في وصفه تعالى @QB@ سميع بصير @QE@ بتقديم ( السميع )
3934 ومن ذلك تقديمه صلى الله عليه وسلم على نوح ومن معه في قوله @QB@ وإذ أخذنا من @QE@ PageV03P035 @QB@ النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح @QE@ ) الآية وتقديم الرسول في قوله @QB@ من رسول ولا نبي @QE@ وتقديم المهاجرين في قوله @QB@ والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار @QE@ وتقديم الإنس على الجن حيث ذكرا في القرآن وتقديم النبيين ثم الصديقين ثم الشهداء ثم الصالحين في آية النساء وتقديم إسماعيل على إسحاق لأنه أشرف بكون النبي صلى الله عليه وسلم من ولده وأسن وتقديم موسى على هارون لاصطفائه بالكلام وقدم هارون عليه في سورة طه رعاية للفاصلة
وتقديم جبريل على ميكائيل في آية البقرة لأنه أفضل وتقديم العاقل على غيره في قوله @QB@ متاعا لكم ولأنعامكم @QE@ @QB@ يسبح له من في السماوات والأرض والطير صافات @QE@
3935 وأما تقديم الأنعام في قوله @QB@ تأكل منه أنعامهم وأنفسهم @QE@ فلأنه تقدم ذكر الزرع فناسب تقديم الأنعام بخلاف آية ( عبس ) فإنه تقدم فيها @QB@ فلينظر الإنسان إلى طعامه @QE@ فناسب تقديم ( لكم )
وتقديم ( المؤمنين ) على ( الكفار ) في كل موضع وأصحاب اليمين على أصحاب الشمال والسماء على الأرض والشمس على القمر حيث وقع إلا في قوله @QB@ خلق الله سبع سماوات طباقا وجعل القمر فيهن نورا وجعل الشمس سراجا @QE@ فقيل لمراعاة الفاصلة وقيل لأن انتفاع أهل السموات العائد عليهن الضمير به أكثر
3936 وقال ابن الأنباري يقال إن القمر وجهه يضيء لأهل السموات وظهره لأهل الأرض ولهذا قال تعالى @QB@ فيهن @QE@ لما كان أكثر نوره يضيء إلى أهل السماء
3937 ومنه تقديم الغيب على الشهادة في قوله @QB@ عالم الغيب والشهادة @QE@ لأن علمه أشرف وأما @QB@ فإنه يعلم السر وأخفى @QE@ فأخر فيه رعاية للفاصلة
3938 الرابع المناسبة وهي إما مناسبة المتقدم لسياق الكلام كقوله ms430 @QB@ ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون @QE@ فإن الجمال بالجمال وإن كان ثابتا حالتي السراح والإراحة إلا أنها حالة إراحتها وهو مجيئها من المرعى آخر النهار يكون الجمال بها أفخر إذ هي فيه بطان وحالة سراحها للمرعى أول النهار PageV03P036 يكون الجمال بها دون الأول إذ هي فيه خماص
ونظيره قوله @QB@ والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا @QE@ قدم نفي الإسراف لأن الشرف في الإنفاق
3939 وقوله @QB@ يريكم البرق خوفا وطمعا @QE@ لأن الصواعق تقع مع أول برقة ولا يحصل المطر إلا بعد توالي البرقات
3940 وقوله @QB@ وجعلناها وابنها آية للعالمين @QE@ قدمها على الابن لما كان السياق في ذكرها في قوله @QB@ والتي أحصنت فرجها @QE@ ولذلك قدم الابن في قوله @QB@ وجعلنا ابن مريم وأمه آية @QE@ وحسنه تقدم موسى في الآية قبله
3941 ومنه قوله @QB@ وكلا آتينا حكما وعلما @QE@ قدم الحكم وإن كان العلم سابقا عليه لأن السياق فيه لقوله في أول الآية @QB@ إذ يحكمان في الحرث @QE@
3942 وإما مناسبة لفظ هو من التقدم أو التأخر كقوله @QB@ الأول والآخر @QE@ @QB@ ولقد علمنا المستقدمين منكم ولقد علمنا المستأخرين @QE@ @QB@ لمن شاء منكم أن يتقدم أو يتأخر @QE@ @QB@ بما قدم وأخر @QE@ @QB@ ثلة من الأولين وثلة من الآخرين @QE@ @QB@ لله الأمر من قبل ومن بعد @QE@ @QB@ له الحمد في الأولى والآخرة @QE@ وأما قوله @QB@ فلله الآخرة والأولى @QE@ فلمراعاة الفاصلة وكذا قوله @QB@ جمعناكم والأولين @QE@
3943 الخامس الحث عليه والحض على القيام به حذرا من التهاون به كتقديم الوصية على الدين في قوله @QB@ من بعد وصية يوصي بها أو دين @QE@ مع أن الدين مقدم عليها شرعا
3944 السادس السبق وهو إما في الزمان باعتبار الإيجاد بتقديم الليل على النهار والظلمات على النور وآدم على نوح ونوح على إبراهيم وإبراهيم على موسى وهو على عيسى وداود على سليمان والملائكة على البشر في قوله @QB@ الله @QE@ PageV03P037 @QB@ يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس @QE@ ) وعاد على ثمود والأزواج على الذرية في قوله @QB@ قل لأزواجك وبناتك @QE@
3945 والسنة على النوم في قوله @QB@ لا تأخذه سنة ولا نوم @QE@
3946 أو باعتبار الإنزال ms431 كقوله @QB@ صحف إبراهيم وموسى @QE@ @QB@ وأنزل التوراة والإنجيل من قبل هدى للناس وأنزل الفرقان @QE@
3947 أو باعتبار الوجوب والتكليف نحو @QB@ اركعوا واسجدوا @QE@ @QB@ فاغسلوا وجوهكم وأيديكم @QE@ الآية @QB@ إن الصفا والمروة من شعائر الله @QE@ ولهذا قال صلى الله عليه وسلم ( نبدأ بما بدأ الله به )
3948 أو بالذات نحو @QB@ مثنى وثلاث ورباع @QE@ @QB@ ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم @QE@ وكذا جميع الأعداد كل مرتبة هي متقدمة على ما فوقها بالذات
وأما قوله @QB@ أن تقوموا لله مثنى وفرادى @QE@ فللحث على الجماعة والاجتماع على الخير
3949 السابع السببية كتقديم العزيز على الحكيم لأنه عز فحكم والعليم عليه لأن الإحكام والإتقان ناشئ عن العلم
وأما تقديم الحكيم عليه في سورة الأنعام فلأنه مقام تشريع الأحكام
3950 ومنه تقديم العبادة على الاستعانة في سورة الفاتحة لأنها سبب حصول الإعانة وكذا قوله @QB@ يحب التوابين ويحب المتطهرين @QE@ لأن التوبة سبب الطهارة @QB@ لكل أفاك أثيم @QE@ لأن الإفك سبب الإثم @QB@ يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم @QE@ لأن البصر داعية إلى الفرج
3951 الثامن الكثرة كقوله @QB@ فمنكم كافر ومنكم مؤمن @QE@ لأن الكفار أكثر @QB@ فمنهم ظالم لنفسه @QE@ الآية قدم الظالم لكثرته ثم المقتصد ثم PageV03P038 السابق ولهذا قدم السارق على السارقة لأن السرقة في الذكور أكثر والزانية على الزاني لأن الزنى فيهن أكثر
3952 ومنه تقديم الرحمة على العذاب حيث وقع في القرآن غالبا ولهذا ورد ( إن رحمتي غلبت غضبي )
3953 وقوله @QB@ إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم @QE@ قال ابن الحاجب في أماليه إنما قدم الأزواج لأن المقصود الإخبار أن فيهم أعداء ووقوع ذلك في الأزواج أكثر منه في الأولاد وكان أقعد في المعنى المراد فقدم ولذلك قدمت الأموال في قوله @QB@ أنما أموالكم وأولادكم فتنة @QE@ لأن الأموال لا تكاد تفارقها الفتنة @QB@ إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى @QE@ وليست الأولاد في استلزام الفتنة مثلها فكان تقديمها أولى
3954 التاسع الترقي من الأدنى إلى الأعلى كقوله @QB@ ألهم أرجل يمشون بها أم لهم أيد يبطشون بها @QE@ الآية بدأ بالأدنى لغرض الترقي ms432 لأن اليد أشرف من الرجل والعين أشرف من اليد والسمع أشرف من البصر
3955 ومن هذا النوع تأخير الأبلغ وقد خرج عليه تقديم الرحمن على الرحيم والرءوف على الرحيم والرسول على النبي في قوله @QB@ وكان رسولا نبيا @QE@ وذكر لذلك نكت أشهرها مراعاة الفاصلة
3956 العاشر التدلي من الأعلى إلى الأدنى وخرج عليه @QB@ لا تأخذه سنة ولا نوم @QE@ @QB@ لا يغادر صغيرة ولا كبيرة @QE@ @QB@ لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ولا الملائكة المقربون @QE@
3957 هذا ما ذكره ابن الصائغ وذكر غيره أسبابا أخر منها كونه أدل PageV03P039 على القدرة وأعجب كقوله @QB@ فمنهم من يمشي على بطنه @QE@ الآية وقوله @QB@ وسخرنا مع داود الجبال يسبحن والطير @QE@ قال الزمخشري قدم الجبال على الطير لأن تسخيرها له وتسبيحها أعجب وأدل على القدرة وأدخل في الإعجاز لأنها جماد والطير حيوان ناطق
ومنها رعاية الفواصل وسيأتي لذلك أمثلة كثيرة
ومنها أفادة الحصر للاختصاص وسيأتي في النوع الخامس والخمسين
تنبيه
3958 قد يقدم لفظ في موضع ويؤخر في آخر ونكتة ذلك إما لكون السياق في كل موضع يقتضي ما وقع فيه كما تقدمت الإشارة إليه وإما لقصد البداءة والختم به للاعتناء بشأنه كما في قوله @QB@ يوم تبيض وجوه @QE@ الآيات وإما لقصد التفنن في الفصاحة وإخراج الكلام على عدة أساليب كما في قوله @QB@ وادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة @QE@ وقوله @QB@ وقولوا حطة وادخلوا الباب سجدا @QE@
وقوله @QB@ إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور @QE@
وقال في الأنعام @QB@ قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورا وهدى للناس @QE@ PageV03P040
جلال الدين السيوطي (ت ٩١١ هـ) — الإتقان في علوم القرآن. النص من OpenITI النسخة المنظّفة 0911Suyuti.Itqan.JK001295-ara1 (أُزيلت الحواشي والفهارس الحديثة في عملية التنظيف 2023). طبعة الأصل في الميتاداتا: دار الفكر، لبنان، ١٤١٦هـ/١٩٩٦م، تحقيق سعيد المندوب.