علوم القرآن · الإتقان · الفصل ٧٦ من ٩٦

النوع الستون — في فواتح السور

5204 أفردها بالتأليف ابن أبي الأصبع في كتاب سماه ( الخواطر السوانح في أسرار الفواتح ) وأنا ألخص هنا ما ذكره مع زوائد من غيره

5205 اعلم أن الله افتتح سور القرآن بعشرة أنواع من الكلام لا يخرج شيء من السور عنها

5206 الأول الثناء عليه تعالى والثناء قسمان إثبات لصفات المدح ونفي وتنزيه من صفات النقص فالأول التحميد في خمس سور وتبارك في سورتين والثاني التسبيح في سبع سور

قال الكرماني في متشابه القرآن التسبيح كلمة استأثر الله بها فبدأ بالمصدر في بني إسرائيل لأنه الأصل ثم بالماضي في الحديد والحشر لأنه أسبق الزمانين ثم بالمضارع في الجمعة والتغابن ثم بالأمر في الأعلى استيعابا لهذه الكلمة من جميع جهاتها

5207 الثاني حروف التهجي في تسع وعشرين سورة وقد مضى الكلام عليها مستوعبا في نوع المتشابه ويأتي الإلمام بمناسباتها في نوع المناسبات

5208 الثالث النداء في عشر سور خمس بنداء الرسول صلى ms614 الله عليه وسلم الأحزاب والطلاق والتحريم والمزمل والمدثر وخمس بنداء الأمة النساء والمائدة والحج والحجرات والممتحنة

5209 الرابع الجمل الخبرية نحو ( يسألونك عن الأنفال ) ( براءة من الله ) ( أتى أمر الله ) ( اقترب للناس حسابهم ) ( قد أفلح المؤمنون ) ( سورة PageV03P282 أنزلناها ) ( تنزيل الكتاب ) ( الذين كفروا ) ( إنا فتحنا ) ( قتربت الساعة ) ( الرحمن علم ) ( قد سمع الله ) الحاقة سأل سائل إنا أرسلنا نوحا لا أقسم في موضعين عبس ( إنا أنزلناه ) لم يكن القارعة ألهاكم إنا أعطيناك فتلك ثلاث وعشرون سورة

5210 الخامس القسم في خمس عشرة سورة سورة أقسم فيها بالملائكة وهي والصافات وسورتان بالأفلاك البروج والطارق وست سور بلوازمها فالنجم قسم بالثريا والفجر بمبدأ النهار والشمس بآية النهار والليل بشطر الزمان والضحى بشطر النهار والعصر بالشطر الآخر أو بجملة الزمان

وسورتان بالهواء الذي هو أحد العناصر والذاريات والمرسلات وسورة بالتربة التي هي منها أيضا وهي الطور وسورة بالنبات وهي والتين وسورة بالحيوان الناطق وهي والنازعات وسورة بالبهيم وهي والعاديات

5211 السادس الشرط في سبع سور الواقعة والمنافقون والتكوير والانفطار والانشقاق والزلزلة والنصر

5212 السابع الأمر في ست سور قل أوحي اقرأ قل يا أيها الكافرون قل هو الله أحد قل أعوذ المعوذتين

5213 الثامن الاستفهام في ست سور عم يتساءلون هل أتاك ألم نشرح ألم تر أرأيت

5214 التاسع الدعاء في ثلاث ويل للمطففين ويل لكل همزة تبت

5215 العاشر التعليل في لإيلاف قريش هكذا جمع أبو شامة قال وما ذكرناه في الدعاء يجوز أن يذكر مع الخبر وكذا الثناء كله خبر إلا ( سبح ) فإنه في قسم الأمر وسبحان يحتمل الأمر الدعاء والخبر

ثم نظم ذلك في بيتين فقال

( أثنى على نفسه سبحانه بثبوت % الحمد والسلب لما استفتح السورا )

( والأمر شرط الندا والتعليل والقسم الدعا % حروف التهجي استفهم الخبرا )

5216 وقال أهل البيان من البلاغة حسن الابتداء وهو أن يتأنق في أول الكلام لأنه أول ما يقرع السمع فإن كان محررا أقبل السامع على الكلام ووعاه وإلا أعرض عنه ولو كان الباقي في نهاية الحسن ms615 فينبغي أن يؤتى فيه بأعذب اللفظ PageV03P283 وأجزله وأرقه وأسلسه وأحسنه نظما وسبكا وأصحه معنى وأوضحه وأخلاه من التعقيد والتقديم والتأخير الملبس أو الذي لا يناسب

قالوا وقد أتت جميع فواتح السور على أحسن الوجوه وأبلغها وأكملها كالتحميدات وحروف الهجاء والنداء وغير ذلك

5217 ومن الابتداء الحسن نوع أخص منه يسمى براعة الاستهلال وهو أن يشتمل أول الكلام على ما يناسب الحال المتكلم فيه ويشير إلى ما سيق الكلام لأجله والعلم الأسنى في ذلك سورة الفاتحة التي هي مطلع القرآن فإنها مشتملة على جميع مقاصده كما قال البيهقي في شعب الإيمان أخبرنا أبو القاسم بن حبيب أنبأنا محمد بن صالح بن هانئ أنبأنا الحسين بن الفضل حدثنا عفان بن مسلم عن الربيع بن صبيح عن الحسن قال أنزل الله مائة وأربعة كتب أودع علومها أربعة منها التوراة والإنجيل والزبور والفرقان ثم أودع علوم التوراة والإنجيل والزبور والفرقان القرآن ثم أودع علوم القرآن المفصل ثم أودع علوم المفصل فاتحة الكتاب

فمن علم تفسيرها كان كمن علم تفسير جميع الكتب المنزلة

5218 وقد وجه ذلك بأن العلوم التي احتوى عليها القرآن قامت بها الأديان أربعة علم الأصول ومداره على معرفة الله وصفاته وإليه الإشارة ب @QB@ رب العالمين الرحمن الرحيم @QE@ ومعرفة النبوات وإليه الإشارة ب @QB@ الذين أنعمت عليهم @QE@ ومعرفة المعاد وإليه الإشارة ب ( مالك يوم الدين )

وعلم العبادات وإليه الإشارة ب @QB@ إياك نعبد @QE@ وعلم السلوك وهو حمل النفس على الآداب الشرعية والانقياد لرب البرية وإليه الإشارة ب @QB@ وإياك نستعين اهدنا الصراط المستقيم @QE@

وعلم القصص وهو الاطلاع على أخبار الأمم السالفة والقرون الماضية ليعلم المطلع على ذلك سعادة من أطاع الله وشقاوة من عصاه وإليه الإشارة بقوله @QB@ صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين @QE@

فنبه في الفاتحة على جميع مقاصد القرآن وهذا هو الغاية في براعة الاستهلال مع ما اشتملت عليه من الألفاظ الحسنة والمقاطع المستحسنة وأنواع البلاغة

وكذلك أول سورة ( اقرأ فإنها مشتملة على نظير ما اشتملت عليه الفاتحة من براعة الاستهلال ms616 لكونها أول ما أنزل من القرآن فإن فيها الأمر بالقراءة والبداءة PageV03P284 فيها باسم الله وفيه الإشارة إلى علم الأحكام وفيها ما يتعلق بتوحيد الرب وإثبات ذاته وصفاته من صفة ذات وصفه فعل

وفي هذه الإشارة إلى أصول الدين وفيها ما يتعلق بالإخبار من قوله @QB@ علم الإنسان ما لم يعلم @QE@ ولهذا قيل إنها جديرة أن تسمى عنوان القرآن لأن عنوان الكتاب يجمع مقاصده بعبارة وجيزة في أوله PageV03P285

السابقالتالي

جلال الدين السيوطي (ت ٩١١ هـ) — الإتقان في علوم القرآن. النص من OpenITI النسخة المنظّفة 0911Suyuti.Itqan.JK001295-ara1 (أُزيلت الحواشي والفهارس الحديثة في عملية التنظيف 2023). طبعة الأصل في الميتاداتا: دار الفكر، لبنان، ١٤١٦هـ/١٩٩٦م، تحقيق سعيد المندوب.