تفسير السمعاني — أبو المظفر السمعاني
وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ ۖ لَهُۥ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَٰلِكَ ۚ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا ﴿٦٤﴾
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا نَتَنَزَّل إِلَّا بِأَمْر رَبك﴾ . قد ثَبت بِرِوَايَة عمر بن ذَر، عَن أَبِيه، عَن سعيد بن جُبَير، عَن ابْن عَبَّاس أَن جِبْرِيل، أَبْطَأَ على النَّبِي، فَلَمَّا نزل، قَالَ: " يَا جِبْرِيل لَو زرتنا أَكثر مِمَّا تَزُورنَا، فَقَالَ جِبْرِيل: وَمَا نَتَنَزَّل إِلَّا بِأَمْر رَبك ".
وَفِي بعض الرِّوَايَات أَن النَّبِي قَالَ لَهُ: " يَا جِبْرِيل، قد كنت مشتاقا إِلَيْك، (فَقَالَ: يَا مُحَمَّد، وَأَنا وَالله قد كنت مشتاقا إِلَيْك) ، وَلَكِن مَا نَتَنَزَّل إِلَّا بِأَمْر رَبك ".
وَرُوِيَ أَنه أَبْطَا [اثْنَتَا عشرَة] لَيْلَة، وَرُوِيَ أَكثر من هَذَا، وَالله أعلم.
وَقَوله: ﴿لَهُ مَا بَين أَيْدِينَا وَمَا خلفنا﴾ . يَعْنِي: لَهُ علم مَا بَين أَيْدِينَا وَمَا خلفنا. وَفِي الْآيَة أَقْوَال:
أَحدهَا: مَا بَين أَيْدِينَا يَعْنِي: الْآخِرَة، وَمَا خلفنا: مَا مضى من الدُّنْيَا، وَمَا بَين ذَلِك: من السَّاعَة إِلَى النفخة.
وَالْقَوْل الثَّانِي: مَا بَين أَيْدِينَا: مَا قابلناه وواجهناه، وَمَا خلفنا: مَا استدبرناه وجاوزناه (بَين) الْوَقْت وَمَا بَين ذَلِك، الْحَال.
وَالْقَوْل الثَّالِث: مَا بَين أَيْدِينَا: الأَرْض، وَمَا خلفنا: السَّمَوَات، وَمَا بَين ذَلِك: الْهَوَاء.
وَالْقَوْل الرَّابِع: مَا بَين أَيْدِينَا: بعد أَن نموت، وَمَا خلفنا: قبل أَن نخلق، وَمَا بَين ذَلِك. مُدَّة الْحَيَاة.
وَقَوله: ﴿وَمَا كَانَ رَبك نسيا﴾ . أَي: مَا نسيك رَبك، وَمعنى نسيك أَي: تَركك.