النوع الثامن والسبعون ms757 — في معرفة شروط المفسر وآدابه
6286 قال العلماء من أراد تفسير الكتاب العزيز طلبه أولا من القرآن فما أجمل منه في مكان فقد فسر في موضع آخر وما اختصر في مكان فقد بسط في موضع آخر منه
وقد ألف ابن الجوزي كتابا فيما أجمل في القرآن في موضع وفسر في موضع آخر منه وأشرت إلى أمثلة منه في نوع المجمل
فإن أعياه ذلك طلبه من السنة فإنها شارحة للقرآن وموضحة له وقد قال الشافعي رضي الله عنه كل ما حكم به رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو مما فهمه من القرآن قال تعالى @QB@ إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله @QE@ في آيات آخر
وقال صلى الله عليه وسلم ( ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه ) يعني السنة
فإن لم يجده في السنة رجع إلى أقوال الصحابة فإنهم أدرى بذلك لما شاهدوه من القرائن والأحوال عند نزوله ولما اختصوا به من الفهم التام والعلم الصحيح والعمل الصالح وقد قال الحاكم في المستدرك إن تفسير الصحابي الذي شهد الوحي والتنزيل له حكم المرفوع
6287 وقال الإمام أبو طالب الطبري في أوائل تفسيره القول في أدوات المفسر اعلم أن من شرطه صحة الإعتقاد أولا ولزوم سنة الدين فإن من كان مغموصا عليه في دينه لا يؤتمن على الدنيا فكيف على الدين ثم لا يؤتمن من الدين على الإخبار عن عالم فكيف يؤتمن في الإخبار عن أسرار الله تعالى ولأنه لا يؤمن إن كان متهما بالإلحاد أن يبغي الفتنة ويغر الناس بليه وخداعه كدأب الباطنية وغلاة الرافضة وإن كان متهما بهوى لم يؤمن أن يحمله هواه على ما يوافق بدعته كدأب القدرية فإن أحدهم يصنف الكتاب في التفسير ومقصوده منه الإيضاح الساكن ليصدهم عن إتباع السلف ولزوم طريق الهدى PageV04P467
ويجب أن يكون إعتماده على النقل عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن أصحابه ومن عاصرهم ويتجنب المحدثات وإذا تعارضت أقوالهم وأمكن الجمع بينهما فعل نحو أن يتكلم على الصراط المستقيم ms758 وأقوالهم فيه ترجع إلى شيء واحد فيأخذ منها ما يدخل فيه الجميع فلا تنافي بين القرآن وطريق الأنبياء فطريق السنة وطريق النبي صلى الله عليه وسلم وطريق أبي بكر وعمر فأي هذه الأقوال أفرده كان محسنا
وإن تعارضت رد الأمر إلى ما ثبت فيه السمع وإن لم يجد سمعا وكان للإستدلال طريق إلى تقوية أحدها رجح ما قوي الإستدلال فيه كإختلافهم في معنى حروف الهجاء يرجح قول من قال إنها قسم وإن تعارضت الأدلة في المراد علم أنه قد اشتبه عليه فيؤمن بمراد الله منها ولا يتهجم على تعيينه وينزله منزلة المجمل قبل تفصيله والمتشابه قبل تبيينه
ومن شرطه صحة المقصد فيما يقول ليلقى التسديد فقد قال تعالى @QB@ والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا @QE@ وإنما يخلص له القصد إذا زهد في الدنيا لأنه إذا رغب فيها لم يؤمن أن يتوسل به إلى عرض يصده عن صواب قصده ويفسد عليه صحة عمله
وتمام هذه الشرائط أن يكون ممتلئا من عدة الإعراب لا يلتبس عليه إختلاف وجوه الكلام فإنه إذا خرج بالبيان عن وضع اللسان إما حقيقة أو مجازا فتأويله تعطيله وقد رأيت بعضهم يفسر قوله تعالى @QB@ قل الله ثم ذرهم @QE@ إنه ملازمة قول الله ولم يدر الغبي أن هذه جملة حذف منها الخبر والتقدير الله أنزله
إنتهى كلام أبي طالب
6288 وقال ابن تيمية في كتاب ألفه في هذا النوع يجب أن يعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم بين لأصحابه معاني القرآن كما بين لهم ألفاظه فقوله تعالى @QB@ لتبين للناس ما نزل إليهم @QE@ يتناول هذا وهذا وقد قال أبو عبد الرحمن السلمي حدثنا الذين كانوا يقرؤون القرآن كعثمان بن عفان وعبد الله بن مسعود وغيرهما أنهم كانوا إذا تعلموا من النبي صلى الله عليه وسلم عشر آيات لم يتجاوزوها حتى يعلموا ما فيها من العلم والعمل قالوا فتعلمنا القرآن والعلم والعمل جميعا ولهذا كانوا يبقون مدة في حفظ السورة
6289 وقال أنس كان الرجل إذا قرأ البقرة وآل عمران جد في ms759 أعيننا
رواه أحمد في مسنده
6290 وأقام ابن عمر على حفظ البقرة ثمان سنين أخرجه في الموطأ PageV04P468 وذلك أن الله قال @QB@ كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته @QE@ وقال @QB@ أفلا يتدبرون القرآن @QE@ وتدبر الكلام بدون فهم معانيه لا يمكن
وأيضا فالعادة تمنع أن يقرأ قوم كتابا في فن من العلم كالطب والحساب ولا يستشرحونه فكيف بكلام الله الذي هو عصمتهم وبه نجاتهم وسعادتهم وقيام دينهم ودنياهم ولهذا كان النزاع بين الصحابة في تفسير القرآن قليل جدا وهو وإن كان بين التابعين أكثر منه بين الصحابة فهو قليل بالنسبة إلى ما بعدهم
6291 ومن التابعين من تلقى جميع التفسير عن الصحابة وربما تكلموا في بعض ذلك بالإستنباط والإستدلال
والخلاف بين السلف في التفسير قليل وغالب ما يصح عنهم من الخلاف يرجع إلى إختلاف تنوع لا إختلاف تضاد وذلك صنفان
أحدهما أن يعبر واحد منهم عن المراد بعبارة غير عبارة صاحبه تدل على معنى في المسمى غير المعنى الآخر مع إتحاد المسمى كتفسيرهم ( الصراط المستقيم ) بعض بالقرآن أي إتباعه وبعض بالإسلام فالقولان متفقان لأن دين الإسلام هو إتباع القرآن ولكن كل منهما نبه على وصف غير الوصف الآخر كما أن لفظ ( صراط ) يشعر بوصف ثالث
وكذلك قول من قال هو السنة والجماعة وقول من قال هو طريق العبودية وقول من قال هو طاعة الله ورسوله وأمثال ذلك فهؤلاء كلهم أشاروا إلى ذات واحدة لكن وصفها كل منهم بصفة من صفاتها
6292 الثاني أن يذكر كل منهم من الإسم العام بعض أنواعه على سبيل التمثيل وتنبيه المستمع على النوع لا على سبيل الحد المطابق للمحدود في عمومه وخصوصه مثاله ما نقل في قوله تعالى @QB@ ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا @QE@ الآية فمعلوم أن الظالم لنفسه يتناول المضيع للواجبات والمنتهك للحرمات والمقتصد يتناول فاعل الواجبات وتارك المحرمات والسابق يدخل فيه من سبق فتقرب بالحسنات مع الواجبات فالمقتصدون أصحاب اليمين والسابقون السابقون أولئك المقربون
6293 ثم إن كلا منهم يذكر هذا في نوع من أنواع الطاعات كقول ms760 القائل PageV04P469 السابق الذي يصلي أول الوقت والمقتصد الذي يصلي في أثنائه والظالم لنفسه الذي يؤخر العصر إلى الإصفرار
أو يقول السابق المحسن بالصدقة مع الزكاة والمقتصد الذي يؤدي الزكاة المفروضة فقط والظالم مانع الزكاة
قال وهذان الصنفان اللذان ذكرناهما في تنوع التفسير تارة لتنوع الأسماء والصفات وتارة لذكر بعض أنواع المسمى هو الغالب في تفسير سلف الأمة الذي يظن أنه مختلف
6294 ومن التنازع الموجود عنهم ما يكون اللفظ فيه محتملا للأمرين إما لكونه مشتركا في اللغة كلفظ ( قسورة ) الذي يراد به الرامي ويراد به الأسد ولفظ ( عسعس ) الذي يراد به إقبال الليل وإدباره
وإما لكونه متواطئا في الأصل لكن المراد به أحد النوعين أو أحد الشخصين كالضمائر في قوله @QB@ ثم دنا فتدلى @QE@ الآية وكلفظ الفجر والشفع والوتر وليال عشر وأشباه ذلك فمثل هذا قد يجوز أن يراد كل المعاني التي قالها السلف وقد لا يجوز ذلك
6295 فالأول إما لكون الآية نزلت مرتين فأريد بها هذا تارة وهذا تارة وإما لكون اللفظ المشترك يجوز أن يراد به معنياه وإما لكون اللفظ متواطئا فيكون عاما إذا لم يكن لمخصصه موجب فهذا النوع إذا صح فيه القولان كان من الصنف الثاني
6296 ومن الأقوال الموجودة عنهم ويجعلها بعض الناس إختلافا أن يعبروا عن المعاني بألفاظ متقاربة كما إذا فسر بعضهم ( تبسل ) ب ( تحبس ) وبعضهم ب ( ترتهن ) لأن كلا منهما قريب من الآخر
ثم قال فصل والإختلاف في التفسير على نوعين منه ما مستنده النقل فقط ومنه ما يعلم بغير ذلك
والمنقول إما عن المعصوم أو غيره ومنه ما يمكن معرفة الصحيح منه من غيره ومنه مالا يمكن ذلك وهذا القسم الذي لا يمكن معرفة صحيحه من ضعيفه عامته مما لا فائدة فيه ولا حاجة بنا إلى معرفته وذلك كإختلافهم في لون كلب أصحاب الكهف وإسمه وفي البعض الذي ضرب به القتيل من البقرة وفي قدر سفينة نوح وخشيها وفي إسم الغلام الذي قتله الخضر ونحو PageV04P470 ذلك
فهذه الأمور طريق العلم بها ms761 النقل فما كان منه منقولا نقلا صحيحا عن النبي صلى الله عليه وسلم قبل وما لا بأن نقل عن اهل الكتاب ككعب ووهب وقف عن تصديقه وتكذيبه لقوله صلى الله عليه وسلم ( إذ حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم )
وكذا ما نقل عن بعض التابعين وإن لم يذكر أنه أخذه عن أهل الكتاب فمتى إختلف التابعون لم يكن يعض أقوالهم حجة على بعض وما نقل في ذلك عن الصحابة نقلا صحيحا فالنفس إليه اسكن مما ينقل عن التابعين لأن إحتمال أن يكون سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم أو من بعض من سمعه منه أقوى ولأن نقل الصحابة عن أهل الكتاب أقل من نقل التابعين
ومع جزم الصحابي بما يقوله كيف يقال إنه أخذه عن أهل الكتاب وقد نهوا عن تصديقهم وأما القسم الذي يمكن معرفة الصحيح منه فهذا موجود كثيرا ولله الحمد وإن قال الإمام أحمد ( ثلاثة ليس لها أصل التفسير والملاحم والمغازي ) وذلك لأن الغالب عليها المراسيل
6297 وأما ما يعلم بالإستدلال لا بالنقل فهذا أكثر ما فيه الخطأ من جهتين حدثتا بعد تفسير الصحابة والتابعين وتابعيهم بإحسان فإن التفاسير التي يذكر فيها كلام هؤلاء صرفا لا يكاد يوجد فيها شيء من هاتين الجهتين مثل تفسير عبد الرازق والفريابي ووكيع وعبد وإسحاق وأمثالهم أحدهما قوم إعتقدوا معاني ثم أرادوا حمل ألفاظ القرآن عليها
والثاني قوم فسروا القرآن بمجرد ما يسوغ أن يريده من كان من الناطقين بلغة العرب من غير نظر إلى المتكلم بالقرآن والمنزل عليه والمخاطب به
فالأولون راعوا المعنى الذي رأوه من غير نظر إلى ما تستحقه ألفاظ القرآن من الدلالة والبيان
والآخرون راعوا مجرد اللفظ وما يجوز أن يريد به العربي من غير نظر إلى ما يصلح للمتكلم وسياق الكلام
ثم هؤلاء كثيرا ما يغلطون في إحتمال اللفظ لذلك المعنى في اللغة كما يغلط في ذلك الذين قبلهم كما أن الأولين كثيرا ما يغلطون في صحة المعنى الذي فسروا به القرآن كما يغلط ms762 في ذلك الآخرون وإن كان نظر الأولين إلى المعنى أسبق ونظر الآخرين إلى اللفظ أسبق
والأولون صنفان تارة يسلبون لفظ القرآن ما دل عليه وأريد به وتارة يحملونه على ما لم يدل عليه ولم يرد به وفي كلا الأمرين قد يكون ما قصدوا نفيه أو إثباته من المعنى باطلا فيكون خطؤهم في الدليل والمدلول وقد يكون حقا فيكون خطؤهم في PageV04P471 الدليل لا في المدلول فالذين أخطئوا فيهما مثل طوائف من أهل البدع إعتقدوا مذاهب باطلة وعمدوا إلى القرآن فتأولوه على رأيهم وليس لهم سلف من الصحابة والتابعين لا في رأيهم ولا في تفسيرهم وقد صنفوا تفاسير على أصول مذهبهم مثل تفسير عبد الرحمن بن كيسان الأصم والجبائي وعبد الجبار والرماني والزمخشري وأمثالهم
6298 ومن هؤلاء من يكون حسن العبارة يدس البدع في كلامه وأكثر الناس لا يعلمون كصاحب الكشاف ونحوه حتى إنه يروج على خلق كثير من أهل السنة كثير من تفاسيرهم الباطلة
وتفسير ابن عطية وأمثاله اتبع للسنة وأسلم من البدعة ولو ذكر كلام السلف المأثور عنهم على وجهه لكان أحسن فإنه كثيرا ما ينقل من تفسير ابن جرير الطبري وهو من أجل التفاسير وأعظمها قدرا ثم إنه يدع ما ينقله عن السلف ويذكر ما يزعم أنه قول المحققين وإنما يعني بهم طائفة من أهل الكلام الذين قرروا أصولهم بطرق من جنس ما قررت به المعتزلة أصولهم وإن كانوا أقرب إلى السنة من المعتزلة لكن ينبغي أن يعطى كل ذي حق حقه فإن الصحابة والتابعين والأئمة إذا كان لهم في الآية تفسير وجاء قوم فسروا الآية بقول آخر لأجل مذهب إعتقدوه وذلك المذهب ليس من مذاهب الصحابة والتابعين صار مشاركا للمعتزلة وغيرهم من أهل البدع في مثل هذا
وفي الجملة من عدل عن مذاهب الصحابة والتابعين وتفسيرهم إلى ما يخالف ذلك كان مخطئا في ذلك بل مبتدعا لأنهم كانوا أعلم بتفسيره ومعانيه كما أنهم أعلم بالحق الذي بعث الله به رسوله
وأما الذين أخطئوا في الدليل لا المدلول فمثل ms763 كثير من الصوفية والوعاظ والفقهاء يفسرون القرآن بمعان صحيحة في نفسها لكن القرآن لا يدل عليها مثل كثير مما ذكره السلمي في الحقائق فإن كان فيما ذكروه معان باطلة دخل في القسم الأول
إنتهى كلام ابن تيمية ملخصا وهو نفيس جدا
فصل في أمهات مآخذ التفسير
6299 وقال الزركشي في البرهان للناظر في القرآن لطلب التفسير مآخذ كثيرة أمهاتها أربعة
6300 الأول النقل عن النبي صلى الله عليه وسلم وهذا هو الطراز المعلم لكن يجب الحذر من الضعيف منه والموضوع فإنه كثير ولهذا قال أحمد ثلاث كتب لا أصل PageV04P472 لها المغازي والملاحم والتفسير
وقال المحققون من أصحابه مراده أن الغالب أنه ليس لها أسانيد صحاح متصلة وإلا فقد صح من ذلك كثير كتفسير الظلم بالشرك في آية الأنعام والحساب اليسير بالعرض والقوة بالرمي في قوله @QB@ وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة @QE@
قلت الذي صح من ذلك قليل جدا بل أصل المرفوع منه في غاية القلة وسأسردها كلها آخر الكتاب إن شاء الله تعالى
6301 الثاني الأخذ بقول الصحابي فإن تفسيره عندهم بمنزلة المرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم كما قاله الحاكم في مستدركه
وقال أبو الخطاب من الحنابلة يحتمل ألا يرجع إليه إذا قلنا إن قوله ليس بحجة
والصواب الأول لأنه من باب الرواية لا الرأي
قلت ما قاله الحاكم نازعه فيه ابن الصلاح وغيره من المتأخرين بأن ذلك مخصوص بما فيه سبب النزول أو نحوه مما لا مدخل للرأي فيه
ثم رأيت الحاكم نفسه صرح به في علوم الحديث فقال ومن الموقوفات تفسير الصحابة وأما من يقول إن تفسير الصحابة مسند فإنما يقول فيما فيه سبب النزول فقد خصص هنا وعمم في المستدرك فاعتمد الأول
والله أعلم
ثم قال الزركشي وفي الرجوع إلى قول التابعي روايتان عن أحمد واختار ابن عقيل المنع وحكوه عن شعبة لكن عمل المفسرين على خلافه فقد حكوا في كتبهم أقوالهم لأن غالبها تلقوها من الصحابة وربما يحكى عنهم عبارات مختلفة الألفاظ فيظن من ms764 لا فهم عنده أن ذلك إختلاف محقق فيحكيه أقوالا وليس كذلك بل يكون كل واحد منهم ذكر معنى من الآية لكونه أظهر عنده أو أليق بحال السائل
وقد يكون بعضهم يخبر عن الشيء بلازمه ونظيره والآخر بمقصوده وثمرته والكل يؤول إلى معنى واحد غالبا فإن لم يمكن الجمع فالمتأخر من القولين عن PageV04P473 الشخص الواحد مقدم إن استويا في الصحة عنه وإلا فالصحيح المقدم
6302 الثالث الأخذ بمطلق اللغة فإن القرآن نزل بلسان عربي وهذا قد ذكره جماعة ونص عليه أحمد في مواضع لكل نقل الفضل بن زياد عنه أنه سئل عن القرآن يمثل له الرجل ببيت من الشعر فقال ما يعجبني
فقيل ظاهره المنع ولهذا قال بعضهم في جواز تفسيره القرآن بمقتضى اللغة روايتان عن أحمد
وقيل الكراهة تحمل على صرف الآية عن ظاهرها إلى معان خارجة محتملة يدل عليها القليل من كلام العرب ولا يوجد غالبا إلا في الشعر ونحوه ويكون المتبادر خلافها
6303 وروى البيهقي في الشعب عن مالك قال لا أوتى برجل غير عالم بلغة العرب يفسر كتاب الله إلا جعلته نكالا
6304 الرابع التفسير بالمقتضى معنى الكلام والمقتضب من قوة الشرع وهذا هو الذي دعابه النبي صلى الله عليه وسلم لابن عباس حيث قال ( اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل ) والذي عناه علي بقوله ( إلا فهما يؤتاه الرجل في القرآن )
ومن هنا إختلف الصحابة في معنى الآية فأخذ كل برأيه على منتهى نظره ولا يجوز تفسير القرآن بمجرد الرأي والإجتهاد من غير أصل قال تعالى @QB@ ولا تقف ما ليس لك به علم @QE@ وقال @QB@ وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون @QE@ وقال @QB@ لتبين للناس ما نزل إليهم @QE@ فأضاف البيان إليه وقال صلى الله عليه وسلم ( من تكلم في القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ ) أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي وقال ( من قال في القرآن بغير علم فليتبوأ مقعده من النار ) أخرجه أبو داود
6305 قال البيهقي في الحديث الأول هذا إن صح فإنما أراد والله أعلم الرأي الذي ms765 يغلب من غير دليل قام عليه وأما الذي بسنده برهان فالقول به جائز
6306 وقال في المدخل في هذا الحديث نظر وإن صح فإنما أراد به PageV04P474 والله أعلم فقد أخطأ الطريق فسبيله أن يرجع في تفسيره ألفاظه إلى أهل اللغة وفي معرفة ناسخه ومنسوخه وسبب نزوله وما يحتاج فيه إلى بيانه إلى أخبار الصحابة الذين شاهدوا تنزيله وأدوا إلينا من السنن ما يكون بيانا لكتاب الله تعالى قال تعالى @QB@ وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون @QE@ فما ورد بيانه عن صاحب الشرع ففيه كفاية عن فكرة من بعده وما لم يرد عنه بيانه ففيه حينئذ فكرة أهل العلم بعده ليستدلوا بما ورد بيانه على ما لم يرد
قال وقد يكون المراد به من قال فيه برأيه من غير معرفة منه بأصول العلم وفروعه فيكون موافقته للصواب إن وافقه من حيث لا يعرفه غير محمودة
6307 وقال الماوردي قد حمل بعض المتورعة هذا الحديث على ظاهره وامتنع من أن يستنبط معاني القرآن بإجتهاده ولو صحبتها الشواهد ولم يعارض شواهدها نص صريح وهذا عدول عما تعبدنا بمعرفته من النظر في القرآن واستنباط الأحكام كما قال تعالى @QB@ لعلمه الذين يستنبطونه منهم @QE@
ولو صح ما ذهب إليه لم يعلم شيء إلا بالإستنباط ولما فهم الأكثرون من كتاب الله شيئا
وإن صح الحديث فتأويله أن من تكلم في القرآن بمجرد رأيه ولم يعرج على سوى لفظه وأصاب الحق فقد أخطأ الطريق وإصابته إتفاق إذا الغرض أنه مجرد رأي لا شاهد له وفي الحديث ( القرآن ذلول ذو وجوه فاحملوه على أحسن وجوهه ) أخرجه أبو نعيم وغيره من حديث ابن عباس
فقوله ( ذلول ) يحتمل معنيين أحدهما أنه مطيع لحامليه تنطق به ألسنتهم
والثاني أنه موضح لمعانيه حتى لا تقصر عنه أفهام المجتهدين
وقوله ( ذو وجوه ) يحتمل معنيين أحدهما أن من ألفاظه ما يحتمل وجوها من التأويل والثاني أنه قد جمع وجوها من الأوامر والنواهي والترغيب والترهيب والتحليل والتحريم
وقوله ( فاحملوه على أحسن وجوهه ) يحتمل ms766 معنيين أحدهما الحمل على أحسن معانيه والثاني أحسن ما فيه من العزائم دون الرخص والعفو دون الإنتقام PageV04P475 وفيه دلالة ظاهرة على جواز الإستنباط والإجتهاد في كتاب الله تعالى
6308 وقال أبو الليث النهي إنما انصرف إلى المتشابه منه لا إلى جميعه كما قال تعالى @QB@ فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه @QE@ لأن القرآن إنما نزل حجة على الخلق فلو لم يجز التفسير لم تكن الحجة بالغة
فإذا كان كذلك جاز لمن عرف لغات العرب وأسباب النزول أن يفسره وأما من لم يعرف وجوه اللغة فلا يجوز أن يفسره إلا بمقدار ما سمع فيكون ذلك على وجه الحكاية لا على وجه التفسير
ولو أنه يعلم التفسير وأراد أن يستخرج من الآية حكما أو دليل الحكم فلا بأس به ولو قال المراد من الآية كذا من غير أن يسمع فيه شيئا فلا يحل وهو الذي نهى عنه
6309 وقال ابن الأنباري في الحديث الأول حمله بعض أهل العلم على أن الرأي معني به الهوى فمن قال في القرآن قولا يوافق هواه فلم يأخذه عن أئمة السلف وأصاب فقد أخطأ لحكمه على القرآن بما لا يعرف أصله ولا يقف على مذاهب أهل الأثر والنقل فيه
6310 وقال في الحديث الثاني له معنيان أحدهما من قال في مشكل القرآن بما لا يعرف من مذهب الأوائل من الصحابة والتابعين فهو متعرض لسخط الله تعالى
والآخر وهو الأصح من قال في القرآن قولا يعلم أن الحق غيره فليتبوأ مقعده من النار
6311 وقال البغوي والكواشي وغيرهما التأويل صرف الآية إلى معنى موافق لما قبلها وبعدها تحتمله الآية غير مخالف للكتاب والسنة من طريق الإستنباط غير محظور على العلماء بالتفسير كقوله تعالى @QB@ انفروا خفافا وثقالا @QE@ قيل شبابا وشيوخا
وقيل أغنياء وفقراء
وقيل عزابا ومتأهلين
وقيل نشاطا وغير نشاط
وقيل أصحاء ومرضى وكل ذلك سائغ والآية تحتمله
6312 وأما التأويل المخالف للآية والشرع فمحظور لأنه تأويل الجاهلين مثل تأويل الروافض قوله تعالى @QB@ مرج البحرين يلتقيان @QE@ أنهما ms767 علي وفاطمة
@QB@ يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان @QE@ يعني الحسن والحسين PageV04P476
6313 وقال بعضهم إختلف الناس في تفسير القرآن هل يجوز لكل أحد الخوض فيه فقال قوم لا يجوز لأحد أن يتعاطى تفسير شيء من القرآن وإن كان عالما أديبا
متسما في معرفة الأدلة والفقه والنحو والأخبار والآثار وليس له إلا أن ينتهي إلى ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك
ومنهم من قال يجوز تفسيره لمن كان جامعا للعلوم التي يحتاج المفسر إليها وهي خمسة عشر علما
6314 أحدها اللغة لأن بها يعرف شرح مفردات الألفاظ ومدلولاتها بحسب الوضع
قال مجاهد لا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يتكلم في كتاب الله إذا لم يكن عالما بلغات العرب
وتقدم قول الإمام مالك في ذلك ولا يكفي في حقه معرفة اليسير منها فقد يكون اللفظ مشتركا وهو يعلم أحد المعنيين والمراد الآخر
6315 الثاني النحو لأن المعنى يتغير ويختلف بإختلاف الإعراب فلا بد من إعتباره أخرج أبو عبيد عن الحسن أنه سئل عن الرجل يتعلم العربية يلتمس بها حسن المنطق ويقيم بها قراءته فقال حسن فتعلمها فإن الرجل يقرأ الآية فيعيى بوجهها فيهلك فيها
6316 الثالث التصريف لأن به تعرف الأبنية والصيغ قال ابن فارس ومن فاته علمه فاته المعظم لأن ( وجد ) مثلا كلمة مبهمة فإذا صرفناها اتضحت بمصادرها
6317 وقال الزمخشري من بدع التفاسير قول من قال إن الإمام في قوله تعالى @QB@ يوم ندعوا كل أناس بإمامهم @QE@ جمع ( أم ) وأن الناس يدعون يوم القيامة بأمهاتهم دون آبائهم قال وهذا غلط أوجبه جهل بالتصريف فإن ( أما ) لا تجمع على ( إمام )
6318 الرابع الاشتقاق لأن الإسم إذا كان إشتقاقه من مادتين مختلفتين إختلف المعنى بإختلافهما كالمسيح هل هو من السياحة أو المسح
6319 الخامس والسادس والسابع المعاني والبيان والبديع لأنه يعرف بالأول خواص تراكيب الكلام من جهة إفادتها المعنى وبالثاني خواصها من حيث PageV04P477 اختلافها بحسب وضوح الدلالة وخفائها وبالثالث وجوه تحسين الكلام وهذه العلوم الثلاثة هي علوم البلاغة وهي ms768 من أعظم أركان المفسر لأنه لا بد له من مراعاة ما يقتضيه الإعجاز وإنما يدرك بهذه العلوم
6320 قال السكاكي اعلم أن شأن الإعجاز عجيب يدرك ولا يمكن وصفه كإستقامة الوزن تدرك ولا يمكن وصفها وكالملاحة ولا طريق إلى تحصيله لغير ذوي الفطر السليمة إلا التمرن على علمي المعاني والبيان
6321 وقال ابن أبي الحديد اعلم أن معرفة الفصيح والأفصح والرشيق والأرشق من الكلام أمر لا يدرك ألا بالذوق ولا يمكن إقامة الدلالة عليه وهو بمنزلة جاريتين إحداهما بيضاء مشربة بحمرة دقيقة الشفتين نقية الثغر كحلاء العينين أسيلة الخد دقيقة الأنف معتدلة القامة والأخرى دونها في هذه الصفات والمحاسن لكنها أحلى في العيون والقلوب منها ولا يدرى سبب ذلك ولكنه يعرف بالذوق والمشاهدة ولا يمكن تعليله وهكذا الكلام
نعم يبقى الفرق بين الوصفين أن حسن الوجوه وملاحتها وتفضيل بعضها على بعض يدركه كل من له عين صحيحة وأما الكلام فلا يدرك إلا بالذوق وليس كل من إشتغل بالنحو واللغة والفقه يكون من أهل الذوق وممن يصلح لإنتقاد الكلام وإنما أهل الذوق هم الذين اشتغلوا بعلم البيان وراضوا أنفسهم بالرسائل والخطب والكتابة والشعر وصارت لهم بذلك دربة وملكه تامة فإلى أولئك ينبغي أن يرجع في معرفة الكلام وفضل بعضه على بعض
6322 وقال الزمخشري من حق مفسر كتاب الله الباهر وكلامه المعجز أن يتعاهد بقاء النظم على حسنه والبلاغة على كمالها وما وقع به التحدي سليما من القادح
6323 وقال غيره معرفة هذه الصناعة بأوضاعها هي عمدة التفسير المطلع على عجائب كلام الله تعالى وهي قاعدة الفصاحة وواسطة عقد البلاغة
6324 الثامن علم القراءات لأن به يعرف كيفية النطق بالقرآن وبالقراءات يترجح بعض الوجوه المحتملة على بعض
6325 التاسع أصول الدين بما في القرآن من الآيات الدالة بظاهرها على ما PageV04P478 لا يجوز على الله تعالى فالأصولي يؤول ذلك ويستدل على ما يستحيل وما يجب وما يجوز
6326 العاشر أصول الفقه إذ به يعرف وجه الإستدلال على الأحكام والإستنباط
6327 الحادي عشر ms769 أسباب النزول والقصص إذ بسبب النزول يعرف معنى الآية المنزلة فيه بحسب ما أنزلت فيه
6328 الثاني عشر الناسخ والمنسوخ ليعلم المحكم من غيره
6329 الثالث عشر الفقه
6330 الرابع عشر الأحاديث المبينة لتفسير المجمل والمبهم
6331 الخامس عشر علم الموهبة وهو علم يورثه الله تعالى لمن عمل بما علم وإليه الإشارة بحديث ( من عمل بما علم ورثه الله علم ما لم يعلم )
6332 قال ابن أبي الدنيا وعلوم القرآن وما يستنبط منه بحر لا ساحل له
قال فهذه العلوم التي هي كالآية للمفسر لا يكون مفسرا إلا بتحصيلها فمن فسر بدونها كان مفسرا بالرأي المنهى عنه وإذا فسر مع حصولها لم يكن مفسرا بالرأي المنهى عنه
قال والصحابة والتابعون كان عندهم علوم العربية بالطبع لا بالإكتساب واستفادوا العلوم الأخرى من النبي صلى الله عليه وسلم
6333 قلت ولعلك تستشكل علم الموهبة وتقول هذا شيء ليس في قدرة الإنسان وليس كما ظننت من الإشكال والطريق في تحصيله إرتكاب الأسباب الموجبة له من العمل والزهد
6334 قال في البرهان اعلم أنه لا يحصل للناظر فهم معاني الوحي ولا يظهر له أسراره وفي قلبه بدعه أو كبر أو هوى أو حب الدنيا أو وهو مصر على ذنب أو غير متحقق بالإيمان أو ضعيف التحقيق أو يعتمد على قول مفسر ليس عنده علم أو راجع إلى معقوله وهذه كلها حجب وموانع بعضها آكد من بعض
6335 قلت وفي هذا المعنى قوله تعالى @QB@ سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون @QE@ PageV04P479 @QB@ في الأرض بغير الحق @QE@ ) قال سفيان بن عيينة يقول أنزع عنهم فهم القرآن
أخرجه ابن أبي حاتم
6336 وقد أخرج ابن جرير وغيره من طرق عن ابن عباس قال التفسير أربعة أوجه وجه تعرفه العرب من كلامها وتفسير لا يعذر أحد بجهالته وتفسير تعلمه العلماء وتفسير لا يعلمه إلا الله تعالى
ثم رواه مرفوعا بسند ضعيف بلفظ ( أنزل القرآن على أربعة أحرف حلال وحرام لا يعذر أحد بجهالته وتفسير تفسره العرب وتفسير تفسره العلماء ومتشابه لا ms770 يعلمه إلا الله تعالى ومن ادعى علمه سوى الله تعالى فهو كاذب )
6337 قال الزركشي في البرهان في قول ابن عباس هذا تقسيم صحيح فأما الذي تعرفه العرب فهو الذي يرجع فيه إلى لسانهم وذلك اللغة والإعراب فأما اللغة فعلى المفسر معرفة معانيها ومسميات أسمائها ولا يلزم ذلك القارئ
ثم إن كان ما تتضمنه ألفاظها يوجب العمل دون العلم كفى فيه خبر الواحد والإثنين والإستشهاد بالبيت والبيتين وإن كان يوجب العلم لم يكف ذلك بل لا بد أن يستفيض ذلك اللفظ وتكثر شواهده من الشعر
وأما الإعراب فما كان إختلافه محيلا للمعنى وجب على المفسر والقارئ تعلمه ليتوصل المفسر إلى معرفة الحكم ويسلم القارئ من اللحن وإن لم يكن محيلا للمعنى وجب تعلمه على القارئ ليسلم من اللحن ولا يجب على المفسر لوصوله إلى المقصود بدونه
وأما ما لا يعذر أحد بجهله فهو ما تتبادر الأفهام إلى معرفة معناه من النصوص المتضمنة شرائع الأحكام ودلائل التوحيد وكل لفظ أفاد معنى واحدا جليا يعلم أنه مراد الله تعالى فهذا القسم لا يلتبس تأويله إذ كل أحد يدرك معنى التوحيد من قوله تعالى @QB@ فاعلم أنه لا إله إلا الله @QE@ وأنه لا شريك له في الإلهية وأن لم PageV04P480 يعلم أن ( لا ) موضوعة في اللغة للنفي ( وإلا ) للإثبات وأن مقتضى هذه الكلمة الحصر
ويعلم كل أحد بالضرورة أن مقتضى قوله تعالى @QB@ وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة @QE@ ونحوها ( من الأوامر ) طلب إيجاب المأمور به وإن لم يعلم أن صيغة ( أفعل ) للوجوب فما كان من هذا القسم لا يعذر أحد يدعي الجهل بمعاني ألفاظه لأنها معلومة لكل أحد بالضرورة
وأما ما لا يعلمه إلا الله تعالى فهو ما يجري مجرى الغيوب نحو الآي المتضمنة قيام الساعة وتفسير الروح والحروف المقطعة وكل متشابه في القرآن عند أهل الحق فلا مساغ للإجتهاد في تفسيره ولا طريق إلى ذلك إلا بالتوقيف بنص من القرآن أو الحديث أو إجماع الأمة على تأويله
وأما ما يعلمه العلماء ويرجع إلى اجتهادهم فهو الذي ms771 يغلب عليه إطلاق التأويل وذلك إستنباط الأحكام وبيان المجمل وتخصيص العموم
وكل لفظ إحتمل معنيين فصاعدا فهو الذي لا يجوز لغير العلماء الإجتهاد فيه وعليهم إعتماد الشواهد والدلائل دون مجرد الرأي فإن كان أحد المعنيين أظهر وجب الحمل عليه إلا أن يقوم دليل على أن المراد هو الخفي
وإن استويا والإستعمال فيهما حقيقة لكن في أحدهما حقيقة لغوية أو عرفية وفي الآخر شرعية فالحمل على الشرعية أولى إلا أن يدل دليل على إرادة اللغوية كما في @QB@ وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم @QE@
ولو كان في أحدهما عرفية والآخر لغوية فالحمل على العرفية أولى لأن الشرع ألزم
فإن تنافى إجتماعهما ولم يمكن إرادتهما باللفظ الواحد كالقرء للحيض والطهر إجتهد في المراد منهما بالأمارات الدالة عليه فما ظنه فهو مراد الله تعالى في حقه وإن لم يظهر له شيء فهل يتخير في الحمل على أيهما شاء أو يأخذ بالأغلظ حكما أو بالأخف أقوال
وإن لم يتنافيا وجب الحمل عليهما عند المحققين ويكون ذلك أبلغ في الإعجاز والفصاحة إلا إن دل دليل على إرادة أحدهما
إذا عرف ذلك فينزل حديث ( من تكلم في القرآن برأيه ) على قسمين من هذه الأربعة PageV04P481
أحدها تفسير اللفظ لإحتياج المفسر له إلى التبحر في معرفة لسان العرب
والثاني حمل اللفظ المحتمل على أحد معنييه لإحتياج ذلك إلى معرفة أنواع من العلوم والتبحر في العربية واللغة ومن علم الأصول ما يدرك به حدود الأشياء وصيغ الأمر والنهي والخبر والمجمل والمبين والعموم والخصوص والمطلق والمقيد والمحكم والمتشابه والظاهر والمؤول والحقيقة والمجاز والصريح والكناية ومن الفروع ما يدرك به الإستنباط
والإستدلال على هذا أقل ما يحتاج إليه ومع ذلك فهو على خطر فعليه أن يقول يحتمل كذا ولا يجزم إلا في حكم اضطر إلى الفتوى به فأدى ( إجتهاده إليه ) فيجزم مع تجويز خلافه
إنتهى
6338 وقال ابن النقيب جملة ما تحصل في معنى حديث التفسير بالرأي خمسة أقوال
أحدها التفسير من غير حصول العلوم التي يجوز معها التفسير
الثاني تفسير المتشابه ms772 لا يعلمه إلا الله
الثالث التفسير المقرر للمذهب الفاسد بأن يجعل المذهب أصلا والتفسير تابعا فيرد إليه بأي طريق أمكن وإن كان ضعيفا
الرابع التفسير بأن مراد الله كذا على القطع من غير دليل
الخامس التفسير بالإستحسان والهوى
6339 ثم قال وأعلم أن علوم القرآن ثلاثة أقسام
الأول علم لم يطلع الله عليه أحدا من خلقه وهو ما استأثر به من علوم أسرار كتابه من معرفة كنه ذاته وغيوبه التي لا يعلمها إلا هو وهذا لا يجوز لأحد الكلام فيه بوجه من الوجوه إجماعا
الثاني ما أطلع الله عليه نبيه من أسرار الكتاب واختصه به وهذا لا يجوز الكلام فيه إلا له صلى الله عليه وسلم أو لمن أذن له قال وأوائل السور من هذا القسم وقيل من القسم الأول PageV04P482
الثالث علوم علمها الله نبيه مما أودع كتابه من المعاني الجلية والخفية وأمره بتعليمها وهذا ينقسم إلى قسمين منه ما لا يجوز الكلام فيه إلا بطريق السمع وهو أسباب النزول والناسخ والمنسوخ والقراءات واللغات وقصص الأمم الماضية وأخبار ما هو كائن من الحوادث وأمور الحشر والمعاد
ومنه ما يؤخذ بطريق النظر والإستدلال والإستنباط والإستخراج من الألفاظ وهو قسمان قسم إختلفوا في جوازه وهو تأويل الآيات المتشابهات في الصفات وقسم إتفقوا عليه وهو إستنباط الأحكام الأصلية والفرعية والإعرابية لأن مبناها على الأقيسة وكذلك فنون البلاغة وضروب المواعظ والحكم والإشارات لا يمتنع استنباطها منه واستخراجها لمن له أهلية
إنتهى ملخصا
6340 وقال أبو حيان ذهب بعض من عاصرناه إلى أن علم التفسير مضطر إلى النقل في فهم معاني تركيبه بالإسناد إلى مجاهد وطاوس وعكرمة وأضرابهم وأن فهم الآيات يتوقف على ذلك
قال وليس كذلك
6341 وقال الزركشي بعد حكاية ذلك الحق أن علم التفسير منه ما يتوقف على النقل كسبب النزول والنسخ وتعيين المبهم وتبيين المجمل
ومنه مالا يتوقف ويكفي في تحصيله الثقة على الوجه المعتبر
قال وكأن السبب في إصطلاح كثير على التفرقة بين التفسير والتأويل والتمييز بين المنقول والمستنبط ليحمل ms773 على الإعتماد في المنقول وعلى النظر في المستنبط
قال واعلم أن القرآن قسمان قسم ورد تفسيره بالنقل وقسم لم يرد
والأول إما أن يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم أو الصحابة أو رؤوس التابعين
فالأول يبحث فيه عن صحة السند والثاني ينظر في تفسير الصحابي فإن فسره من حيث اللغة فهم أهل اللسان فلا شك في اعتمادهم أو بما شاهده من الأسباب والقرائن فلا شك فيه وحينئذ إن تعارضت أقوال جماعة من الصحابة فإن أمكن الجمع فذاك وإن تعذر قدم ابن عباس لأن النبي صلى الله عليه وسلم بشره بذلك حيث قال ( اللهم علمه التأويل ) وقد رجح الشافعي قول زيد في الفرائض لحديث ( أفرضكم زيد )
وأما ما ورد عن PageV04P483 التابعين فحيث جاز الاعتماد فيما سبق فكذلك هنا وإلا وجب الاجتهاد
وأما ما لم يرد فيه نقل فهو قليل وطريق التوصل إلى فهمه النظر إلى مفردات الألفاظ من لغة العرب ومدلولاتها واستعمالها بحسب السياق وهذا يعتني به الراغب كثيرا في كتاب ( المفردات ) فيذكر قيدا زائدا على أهل اللغة في تفسير مدلول اللفظ لأنه اقتضاه السياق
انتهى
6342 قلت وقد جمعت كتابا مسندا فيه تفاسير النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة فيه بضعة عشر ألف حديث ما بين مرفوع وموقوف وقد تم ولله الحمد في أربع مجلدات وسميته ( ترجمان القرآن ) ورأيت وأنا في أثناء تصنيفه النبي صلى الله عليه وسلم في المنام في قصة طويلة تحتوي على بشارة حسنة
تنبيه
6343 من المهم معرفة التفاسير الواردة عن الصحابة بحسب قراءة مخصوصة وذلك أنه قد يرد عنهم تفسيران في الآية الواحدة مختلفان فيظن اختلافا وليس باختلاف وإنما كل تفسير على قراءة
وقد تعرض السلف لذلك فأخرج ابن جرير في قوله تعالى @QB@ لقالوا إنما سكرت أبصارنا @QE@ من طريق عن ابن عباس وغيره أن ( سكرت ) بمعنى ( سدت ) ومن طرق أنها بمعنى ( أخذت )
ثم أخرج عن قتادة قال من قرأ ( سكرت ) مشددة فإنما يعني ( سدت ) ومن قرأ ( سكرت ) مخففة فإنه يعني ( سحرت )
وهذا الجمع من ms774 قتادة نفيس بديع
ومثله قوله تعالى @QB@ سرابيلهم من قطران @QE@ أخرج ابن جرير عن الحسن أنه الذي تهنأ به الإبل
وأخرج من طرق عنه وعن غيره أنه النحاس المذاب وليسا بقولين وإنما الثاني تفسير لقراءة من ( قطرآن ) بتنوين ( قطر ) وهو النحاس و ( آن ) شديد الحر كما أخرجه ابن أبي حاتم هكذا عن سعيد بن جبير
وأمثلة هذا النوع كثيرة والكافل ببيانها كتابنا ( أسرار التنزيل ) وقد خرجت PageV04P484 على هذا قديما الاختلاف الوارد عن ابن عباس وغيره في تفسير آية @QB@ أو لامستم @QE@ هل هو الجماع أو الجس باليد فالأول تفسير لقراءة ( لامستم ) والثاني لقراءة ( لمستم ) ولا اختلاف
فائدة
6344 قال الشافعي رضي الله عنه في مختصر البويطي لا يحل تفسير المتشابه إلا بسنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أو خبر عن أحد من أصحابه أو إجماع العلماء ( هذا نصه )
فصل في تفسير الصوفية
6345 وأما كلام الصوفية في القرآن فليس بتفسير قال ابن الصلاح في فتاويه وجدت عن الإمام أبي الحسن الواحدي المفسر أنه قال صنف أبو عبد الرحمن السلمي ( حقائق التفسير ) فإن كان قد اعتقد أن ذلك تفسيرا فقد كفر
6346 قال ابن الصلاح وأنا أقول الظن بمن يوثق به منهم إذا قال شيئا من ذلك أنه لم يذكره تفسيرا ولا ذهب به مذهب الشرح للكلمة فإنه لو كان كذلك كانوا قد سلكوا مسلك الباطنية وإنما ذلك منهم لنظير ما ورد به القرآن فإن النظير يذكر بالنظير ومع ذلك فياليتهم لم يتساهلوا بمثل ذلك لما فيه من الإيهام والإلباس
6347 وقال النسفي في عقائده النصوص على ظاهرها والعدول عنها إلى معان يدعيها أهل الباطن إلحاد
6348 قال التفتازاني في شرحه سميت الملاحدة باطنية لادعائهم أن النصوص ليست على ظاهرها بل لها معان باطنية لا يعرفها إلا المعلم وقصدهم بذلك نفي الشريعة بالكلية PageV04P485
قال وأما ما يذهب إليه بعض المحققين من أن النصوص على ظواهرها ومع ذلك فيها إشارات خفية إلى دقائق تنكشف على أرباب السلوك يمكن التطبيق بينها وبين الظواهر ms775 المرادة فهو من كمال الإيمان ومحض العرفان
3649 وسئل شيخ الإسلام سراج الدين البلقيني عن رجل قال في قوله تعالى @QB@ من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه @QE@ إن معناه من ذل أي من الذل ذي إشارة إلى النفس يشف من الشفا جواب ( من )
ع أمر من الوعي فأفتى بأنه ملحد
وقد قال تعالى @QB@ إن الذين يلحدون في آياتنا لا يخفون علينا @QE@ قال ابن عباس هو أن يوضع الكلام على غير موضعه أخرجه ابن أبي حاتم
فإن قلت فقد قال الفريابي حدثنا سفيان عن يونس بن عبيد عن الحسن قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( لكل آية ظهر وبطن ولكل حرف حد ولكل حد مطلع )
6350 وأخرج الديلمي من حديث عبد الرحمن بن عوف مرفوعا ( القرآن تحت العرش له ظهر وبطن يحاج العباد )
6351 وأخرج الطبراني وأبو يعلى والبزار وغيرهم عن ابن مسعود موقوفا ( إن هذا القرآن ليس منه حرف إلا له حد ولكل حد مطلع )
6352 قلت أما الظهر والبطن ففي معناه أوجه
أحدها أنك إذا بحثت عن باطنها وقسته على ظاهرها وقفت على معناها
والثاني أن ما من آية إلا عمل بها قوم ولها قوم سيعملون بها كما قال ابن مسعود فيما أخرجه ابن أبي حاتم
الثالث أن ظاهرها لفظها وباطنها تأويلها
الرابع قال أبو عبيد وهو أشبهها بالصواب إن القصص التي قصها الله تعالى عن الأمم الماضية وما عاقبهم به ظاهرها الإخبار بهلاك الأولين إنما هو حديث حدث به عن قوم
وباطنها وعظ الآخرين وتحذيرهم أن يفعلوا كفعلهم فيحل بهم مثل ما حل بهم PageV04P486
6353 وحكى ابن النقيب قولا خامسا إن ظهرها ما ظهر من معانيها لأهل العلم بالظاهر وبطنها ما تضمنته من الأسرار التي أطلع الله عليها أرباب الحقائق
ومعنى قوله ( ولكل حرف حد ) أي منتهى فيما أراد الله من معناه
وقيل لكل حكم مقدار من الثواب والعقاب
ومعنى قوله ( ولكل حد مطلع ) لكل غامض من المعاني والأحكام مطلع يتوصل به إلى معرفته ويوقف على ms776 المراد به وقيل كل ما يستحقه من الثواب والعقاب يطلع عليه في الآخرة عند المجازاة
وقال بعضهم الظاهر التلاوة والباطن الفهم والحد أحكام الحلال والحرام والمطلع الإشراف على الوعد والوعيد
6354 قلت يؤيد هذا ما أخرجه ابن أبي حاتم من طريق الضحاك عن ابن عباس قال إن القرآن ذو شجون وفنون وظهور وبطون لا تنقضي عجائبه ولا تبلغ غايته فمن أوغل فيه برفق نجا ومن أوغل فيه بعنف هوى أخبار وأمثال وحلال وحرام وناسخ ومنسوخ ومحكم ومتشابه وظهر وبطن فظهره التلاوة وبطنه التأويل فجالسوا به العلماء وجانبوا به السفهاء
6355 وقال ابن سبع في شفاء الصدور ورد عن أبي الدرداء أنه قال لا يفقه الرجل كل الفقه حتى يجعل للقرآن وجوها
6356 وقال ابن مسعود من أراد علم الأولين والآخرين فليثور القرآن
6357 قال وهذا الذي قالاه لا يحصل بمجرد تفسير الظاهر
6358 وقال بعض العلماء لكل آية ستون ألف فهم فهذا يدل على أن في فهم معاني القرآن مجالا رحبا ومتسعا بالغا وأن المنقول من ظاهر التفسير وليس ينتهي الإدراك فيه بالنقل والسماع لا بد منه في ظاهر التفسير ليتقي به مواضع الغلط ثم بعد ذلك يتسع الفهم والاستنباط ولا يجوز التهاون في حفظ الظاهر بل لا بد منه أولا إذ لا يطمع في الوصول إلى الباطن قبل إحكام الظاهر ومن ادعى فهم أسرار القرآن ولم يحكم التفسير الظاهر فهو كمن ادعى البلوغ إلى صدر البيت قبل أن يجاوز الباب
انتهى PageV04P487
6359 وقال الشيخ تاج الدين بن عطاء الله في كتابه لطائف المنن اعلم أن تفسير هذه الطائفة لكلام الله وكلام رسوله بالمعاني العربية ليس إحالة للظاهر عن ظاهره ولكن ظاهر الآية مفهوم منه ما جلبت الآية له ودلت عليه في عرف اللسان وثم أفهام باطنة تفهم عند الآية والحديث لمن فتح الله قلبه وقد جاء في الحديث ( لكل آية ظهر وبطن ) فلا يصدنك عن تلقي هذه المعاني منهم أن يقول لك ذو جدل ومعارضة وهذا إحالة لكلام الله ms777 وكلام رسوله فليس ذلك بإحالة وإنما يكون إحالة لو قالوا لا معنى للآية إلا هذا وهم لم يقولوا ذلك بل يقرؤون الظواهر على ظواهرها مرادا بها موضوعاتها ويفهمون عن الله تعالى ما أفهمهم
فصل فيما يجب على المفسر
6360 قال العلماء يجب على المفسر أن يتحرى في التفسير مطابقة المفسر وأن يتحرز في ذلك من نقص عما يحتاج إليه في إيضاح المعنى أو زيادة لا تليق بالغرض ومن كون المفسر فيه زيغ عن المعنى وعدول عن طريقه
وعليه بمراعاة المعنى الحقيقي والمجازي ومراعاة التأليف والغرض الذي سبق الكلام وأن يؤاخي بين المفردات
ويجب عليه البداءة بالعلوم اللفظية وأول ما يجب البداءة به منها تحقيق الألفاظ المفردة فيتكلم عليها من جهة اللغة ثم التصريف ثم الإشتقاق ثم يتكلم عليها بحسب التركيب فيبدأ بالإعراب ثم بما يتعلق بالمعاني ثم البيان ثم البديع ثم يبين المعنى المراد ثم الاستنباط ثم الإشارات
6361 وقال الزركشي في أوائل البرهان قد جرت عادة المفسرين أن يبدءوا بذكر سبب النزول ووقع البحث في أنه أيما أولى البداءة به بتقدم السبب على المسبب أو بالمناسبة لأنها المصححة لنظم الكلام وهي سابقة على النزول
قال والتحقيق التفصيل بين أن يكون وجه المناسبة متوقفا على سبب النزول كآية @QB@ إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها @QE@ فهذا ينبغي فيه تقديم ذكر PageV04P488 السبب لأنه حينئذ من باب تقديم الوسائل على المقاصد وإن لم يتوقف على ذلك فالأولى تقديم وجه المناسبة
وقال في موضع آخر جرت عادة المفسرين ممن ذكر فضائل القرآن أن يذكرها في أول كل سورة لما فيها من الترغيب والحث على حفظها إلا الزمخشري فإنه يذكرها في أواخرها
6362 قال مجد الأئمة عبد الرحيم بن عمر الكرماني سألت الزمخشري عن العلة في ذلك فقال لأنها صفات لها والصفة تستدعي تقديم الموصوف
وكثيرا ما يقع في كتب التفسير ( حكى الله كذا ) فينبغي تجنبه
6363 قال الإمام أبو نصر القشيري في المرشد قال معظم أئمتنا لا يقال ( كلام الله محكي ) ولا ms778 يقال ( حكى الله ) لأن الحكاية الإتيان بمثل الشيء وليس لكلامه مثل وتساهل قوم فأطلقوا لفظ الحكاية بمعنى الإخبار وكثيرا ما يقع في كلامهم إطلاق الزائد على بعض الحروف
وقد مر في نوع الإعراب
6364 وعلى المفسر أن يتجنب ادعاء التكرار ما أمكنه قال بعضهم مما يدفع توهم التكرار في عطف المترادفين نحو @QB@ لا تبقي ولا تذر @QE@ @QB@ صلوات من ربهم ورحمة @QE@
وأشباه ذلك أن يعتقد أن مجموع المترادفين يحصل معنى لا يوجد عند انفراد أحدهما فإن التركيب يحدث معنى زائدا وإذا كانت كثرة الحروف تفيد زيادة المعنى فكذلك كثرة الألفاظ
انتهى
6365 وقال الزركشي في البرهان ليكن محط نظر المفسر مراعاة نظم الكلام الذي سيق له وان خالف أصل الوضع اللغوي لثبوت التجوز
وقال في موضع آخر على المفسر مراعاة مجازي الاستعمالات في الألفاظ PageV04P489 التي يظن بها الترادف والقطع بعدم الترادف ما أمكن فإن للتركيب معنى غير معنى الإفراد ولهذا منع كثير من الأصوليين وقوع أحد المترادفين موقع الآخر في التركيب وإن اتفقوا على جوازه في الإفراد
انتهى
6366 وقال أبو حيان كثيرا ما يشحن المفسرون تفاسيرهم عند ذكر الإعراب بعلل النحو ودلائل مسائل أصول الفقه ودلائل مسائل الفقه ودلائل أصول الدين وكل ذلك مقرر في تأليف هذه العلوم وإنما يؤخذ ذلك مسلما في علم التفسير دون استدلال عليه
وكذلك أيضا ذكروا ما لا يصح من أسباب نزول وأحاديث في الفضائل وحكايات لا تناسب وتواريخ إسرائيلية ولا ينبغي ذكر هذا في علم التفسير
فائدة
6367 قال ابن أبي جمرة عن علي رضي الله عنه أنه قال لو شئت أوقر سبعين بعيرا من تفسير أم القرآن لفعلت وبيان ذلك أنه إذا قال ( الحمد لله رب العالمين )
يحتاج تبيين معنى الحمد وما يتعلق به الاسم الجليل الذي هو الله وما يليق به من التنزيه ثم يحتاج إلى بيان العالم وكيفيته على جميع أنواعه وأعداده وهي ألف عالم أربعمائة في البر
وستمائة في البحر فيحتاج إلى بيان ذلك كله
فإذا قال ( الرحمن الرحيم ) يحتاج ms779 إلى بيان الاسمين الجليلين وما يليق بهما من الجلال وما معناهما ثم يحتاج إلى بيان جميع الأسماء والصفات ثم يحتاج إلى بيان الحكمة في اختصاص هذا الموضع بهذين الاسمين دون غيرهما
فإذا قال ( مالك يوم الدين ) يحتاج إلى بيان ذلك اليوم وما فيه من المواطن والأهوال وكيفية مستقره
فإذا قال ( إياك نعبد وإياك نستعين ) يحتاج إلى بيان المعبود من جلالته والعبادة وكيفيتها وصفتها وأدائها على جميع أنواعها والعابد في صفته والاستعانة وأدائها وكيفيتها
فإذا قال ( إهدنا الصراط المستقيم . . ) إلى آخر السورة يحتاج إلى بيان الهداية ما هي والصراط المستقيم وأضداده وتبيين المغضوب عليهم والضالين وصفاتهم وما يتعلق بهذا النوع وتبيين المرضي عنهم وصفاتهم وطريقتهم فعلى هذه الوجوه يكون ما قاله علي من هذا القبيل PageV04P490
جلال الدين السيوطي (ت ٩١١ هـ) — الإتقان في علوم القرآن. النص من OpenITI النسخة المنظّفة 0911Suyuti.Itqan.JK001295-ara1 (أُزيلت الحواشي والفهارس الحديثة في عملية التنظيف 2023). طبعة الأصل في الميتاداتا: دار الفكر، لبنان، ١٤١٦هـ/١٩٩٦م، تحقيق سعيد المندوب.