علوم القرآن · الإتقان · الفصل ٥٥ من ٩٦

النوع الرابع التكرير

4699 وهو أبلغ من التأكيد وهو من محاسن الفصاحة خلافا لبعض من غلط

وله فوائد

منها التقرير وقد قيل الكلام إذا تكرر تقرر وقد نبه تعالى على السبب الذي لأجله كرر الأقاصيص والإنذار في القرآن بقوله @QB@ وصرفنا فيه من الوعيد لعلهم يتقون أو يحدث لهم ذكرا @QE@

4700 ومنها التأكيد

4701 ومنها زيادة التنبيه على ما ينفي التهمة ليكمل تلقي الكلام بالقبول ومنه @QB@ وقال الذي آمن يا قوم اتبعون أهدكم سبيل الرشاد يا قوم إنما هذه الحياة الدنيا متاع @QE@ فإنه كرر فيه النداء لذلك PageV03P179

4702 ومنها إذا طال الكلام وخشي تناسى الأول أعيد ثانيا تطرية له وتجديدا لعهده ومنه @QB@ ثم إن ربك للذين عملوا السوء بجهالة ثم تابوا من بعد ذلك وأصلحوا إن ربك من بعدها @QE@ @QB@ ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا ثم جاهدوا وصبروا إن ربك من بعدها @QE@ @QB@ ولما جاءهم ms536 كتاب من عند الله @QE@ إلى قوله @QB@ فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به @QE@ @QB@ لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب @QE@ @QB@ إني رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم @QE@

4703 ومنها التعظيم والتهويل نحو @QB@ الحاقة ما الحاقة @QE@ @QB@ القارعة ما القارعة @QE@ @QB@ وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمين @QE@

4704 فإن قلت هذا النوع أحد أقسام النوع الذي قبله فإن منها التأكيد بتكرار اللفظ فلا يحسن عده نوعا مستقلا

قلت هو يجامعه ويفارقه ويزيد عليه وينقص عنه فصار أصلا برأسه فإنه قد يكون التأكيد تكرارا كما تقدم في أمثلته وقد لا يكون تكرارا كما تقدم أيضا وقد يكون التكرير غير تأكيد صناعة وإن كان مفيدا للتأكيد معنى

4705 ومنه ما وقع فيه الفصل بين المكررين فإن التأكيد لا يفصل بينه وبين مؤكده نحو @QB@ اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد واتقوا الله @QE@ @QB@ إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين @QE@ فالآيتان من باب التكرير لا التأكيد اللفظي الصناعي

ومنه الآيات المتقدمة في التكرير للطول

4706 ومنه ما كان لتعدد المتعلق بأن يكون المكرر ثانيا متعلقا بغير ما تعلق به الأول وهذا القسم يسمى بالترديد كقوله @QB@ الله نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري @QE@ وقع فيها الترديد أربع مرات PageV03P180

4707 وجعل منه قوله @QB@ فبأي آلاء ربكما تكذبان @QE@ فإنها وإن تكررت نيفا وثلاثين مرة فكل واحدة تتعلق بما قبلها ولذلك زادت على ثلاثة ولو كان الجميع عائدا إلى شيء واحد لما زاد على ثلاثة لأن التأكيد لا يزيد عليها

قاله ابن عبد السلام وغيره

4708 وإن كان بعضها ليس بنعمة فذكر النقمة للتحذير نعمة

وقد سئل أي نعمة في قوله @QB@ كل من عليها فان @QE@ فأجيب بأجوبة أحسنها النقل من دار الهموم إلى دار السرور وإراحة المؤمن والبار من الفاجر

4709 وكذا قوله @QB@ ويل يومئذ للمكذبين @QE@ في سورة المرسلات لأنه تعالى ذكر قصصا مختلفة وأتبع كل قصة بهذا القول فكأنه قال ms537 عقب كل قصة ( ويل يومئذ للمكذب بهذه القصة )

4710 وكذا قوله في سورة الشعراء @QB@ إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين وإن ربك لهو العزيز الرحيم @QE@ كررت ثماني مرات كل مرة عقب كل قصة فالإشارة في كل واحدة بذلك إلى قصة النبي المذكور قبلها وما اشتملت عليه من الآيات والعبر

وبقوله @QB@ وما كان أكثرهم مؤمنين @QE@ إلى قومه خاصة ولما كان مفهومه أن الأقل من قومه آمنوا أتى بوصف العزيز الرحيم للإشارة إلى أن العزة على من لم يؤمن منهم والرحمة لمن آمن

4711 وكذا قوله في سورة القمر @QB@ ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر @QE@ قال الزمخشري كرر ليجددوا عند سماع كل نبأ منها إتعاظا وتنبيها وإن كلا من تلك الأنباء مستحق لإعتبار يختص به وأن يتنبهوا كيلا يغلبهم السرور والغفلة

4712 قال في عروس الأفراح فإن قلت إذا كان المراد بكل ما قبله فليس PageV03P181 ذلك بإطناب بل هي ألفاظ كل أريد به غير ما أريد بالآخر

قلت إذا قلنا العبرة بعموم اللفظ فكل واحد أريد به ما أريد بالآخر ولكن كرر ليكون نصا فيما يليه وظاهرا في غيره

فإن قلت يلزم التأكيد قلت والأمر كذلك ولا يرد عليه أن التأكيد لا يزاد به عن ثلاثة لأن ذاك في التأكيد الذي هو تابع أما ذكر الشيء في مقامات متعددة أكثر من ثلاثة فلا يمتنع

انتهى

4713 ويقرب من ذلك ما ذكره ابن جرير في قوله تعالى @QB@ ولله ما في السماوات وما في الأرض ولقد وصينا @QE@ إلى قوله @QB@ وكان الله غنيا حميدا @QE@ @QB@ ولله ما في السماوات وما في الأرض وكفى بالله وكيلا @QE@ قال فإن قيل ما وجه تكرار قوله @QB@ ولله ما في السماوات وما في الأرض @QE@ في آيتين إحداهما في أثر الأخرى قلنا لإختلاف معنى الخبرين عما في السموات والأرض وذلك أن الخبر عنه في إحدى الآيتين ذكر حاجته إلى بارئه وغنى بارئه عنه

وفي الأخرى حفظ بارئه إياه وعلمه به وبتدبيره قال فإن قيل أفلا قيل ( وكان الله غنيا ms538 حميدا وكفى بالله وكيلا ) قيل ليس في الآية الأولى ما يصلح أن تختتم بوصفه معه بالحفظ والتدبير

إنتهى

4714 وقال تعالى @QB@ وإن منهم لفريقا يلوون ألسنتهم بالكتاب لتحسبوه من الكتاب وما هو من الكتاب @QE@ قال الراغب الكتاب الأول ما كتبوه بأيديهم المذكور في قوله تعالى @QB@ فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم @QE@ والكتاب الثاني التوراة والثالث الجنس كتب الله كلها أي ما هو من شيء من كتب الله وكلامه

4715 ومن أمثلة ما يظن تكرارا وليس منه @QB@ قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون @QE@ إلى آخرها فإن ( لا أعبد ما تعبدون ) أي في المستقبل ( ولا أنتم عابدون ) أي في الحال ( ما أعبد ) في المستقبل ( ولا أنا عابد ) أي في الحال ما عبدتم في الماضي ( ولا أنتم عابدون ) أي في المستقبل ( ما أعبد ) أي في الحال

فالحاصل أن القصد نفى عبادته لآلهتهم في الأزمنة الثلاثة

4716 وكذا @QB@ فاذكروا الله عند المشعر الحرام واذكروه كما هداكم @QE@ ثم قال PageV03P182 @QB@ فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله كذكركم آباءكم @QE@ ثم قال @QB@ واذكروا الله في أيام معدودات @QE@ فإن المراد بكل واحد من هذه الأذكار غير المراد بالآخر فالأول الذكر في مزدلفة عند الوقوف بقزح وقوله @QB@ واذكروه كما هداكم @QE@ إشارة إلى تكرره ثانيا وثالثا ويحتمل أن يراد به طواف الإفاضة بدليل تعقيبه بقوله @QB@ فإذا قضيتم @QE@ والذكر الثالث إشارة إلى رمي جمرة العقبة والذكر الأخير لرمي أيام التشريق

4717 ومنه تكرير حرف الإضراب في قوله @QB@ بل قالوا أضغاث أحلام بل افتراه بل هو شاعر @QE@ وقوله @QB@ بل ادارك علمهم في الآخرة بل هم في شك منها بل هم منها عمون @QE@

4718 ومنه قوله @QB@ ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره متاعا بالمعروف حقا على المحسنين @QE@ ثم قال @QB@ وللمطلقات متاع بالمعروف حقا على المتقين @QE@ فكرر الثاني ليعم كل مطلقة فإن الآية الأولى في المطلقة قبل الفرض والمسيس خاصة وقيل لأن الأولى لا تشعر بالوجوب ولهذا لما نزلت قال بعض الصحابة إن شئت أحسنت وإن شئت فلا فنزلت الثانية أخرجه ابن جرير

4719 ms539 ومن ذلك تكرير الأمثال كقوله @QB@ وما يستوي الأعمى والبصير ولا الظلمات ولا النور ولا الظل ولا الحرور وما يستوي الأحياء ولا الأموات @QE@

4720 وكذلك ضرب مثل المنافقين أول البقرة بالمستوقد نارا ثم ضربه بأصحاب الصيب

قال الزمخشري والثاني أبلغ من الأول لأنه أدل على فرط الحيرة وشدة الأمر وفظاعته قال ولذلك أخر وهم يتدرجون في نحو هذا من الأهون إلى الأغلظ

4721 ومن ذلك تكرير القصص كقصة آدم وموسى ونوح وغيرهم من الأنبياء قال بعضهم ذكر الله موسى في مائة وعشرين موضعا من كتابه

4722 وقال ابن العربي في القواصم ذكر الله قصة نوح في خمس وعشرين آية وقصة موسى في تسعين آية PageV03P183

4723 وقد ألف البدر بن جماعة كتابا سماه ( المقتنص في فوائد تكرار القصص ) وذكر في تكرير القصص فوائد

منها أن في كل موضع زيادة شيء لم يذكر في الذي قبله أو إبدال كلمة بأخرى لنكتة وهذه عادة البلغاء

4724 ومنها أن الرجل كان يسمع القصة من القرآن ثم يعود إلى أهله ثم يهاجر بعده آخرون يحكون ما نزل بعد صدور من تقدمهم فلولا تكرار القصص لوقعت قصة موسى إلى قوم وقصة عيسى إلى قوم آخرين وكذا سائر القصص فأراد الله إشتراك الجميع فيها فيكون فيه إفادة لقوم وزيادة تأكيد لآخرين

4725 ومنها أن في إبراز الكلام الواحد في فنون كثيرة وأساليب مختلفة ما لا يخفى من الفصاحة

4726 ومنها أن الدواعي لا تتوفر على نقلها كتوفرها على نقل الأحكام فلهذا كررت القصص دون الأحكام

4727 ومنها أنه تعالى أنزل هذا القرآن وعجز القوم عن الإتيان بمثله بأي نظم جاءوا ثم أوضح الأمر في عجزهم بأن كرر ذكر القصة في مواضع إعلاما بأنهم عاجزون عن الإتيان بمثله أي بأي نظم جاءوا وبأي عبارة عبروا

4728 ومنها أنه لما تحداهم قال @QB@ فأتوا بسورة من مثله @QE@ فلو ذكرت القصة في موضع واحد واكتفي بها لقال العربي ائتونا أنتم بسورة من مثله فأنزلها سبحانه وتعالى في تعداد السور دفعا لحجتهم من ms540 كل وجه

4728 ومنها أن القصة لما كررت كان في ألفاظها في كل موضع زيادة ونقصان وتقديم وتأخير وأتت على أسلوب غير أسلوب الأخرى فأفاد ذلك ظهور الأمر العجيب في إخراج المعنى الواحد في صور متباينة في النظم وجذب النفوس إلى سماعها لما جبلت عليه من حب التنقل في الأشياء المتجددة واستلذاذها بها وإظهار خاصة القرآن حيث لم يحصل مع تكرير ذلك فيه هجنة في اللفظ ولا ملل عند سماعه فباين ذلك كلام المخلوقين PageV03P184

4729 وقد سئل ما الحكمة في عدم تكرير قصة يوسف وسوقها مساقا واحدا في موضع واحد دون غيرها من القصص وأجيب بوجوه

أحدها أن فيها تشبيب النسوة به وحال إمرأة ونسوة افتتن بأبدع الناس جمالا فناسب عدم تكرارها لما فيه من الإغضاء والستر وقد صحح الحاكم في مستدركه حديث النهي عن تعليم النساء سورة يوسف

ثانيها أنها إختصت بحصول الفرج بعد الشدة بخلاف غيرها من القصص فإن مآلها إلى الوبال كقصة إبليس وقوم نوح وهود وصالح وغيرهم فلما اختصت بذلك اتفقت الدواعي على نقلها لخروجها عن سمت القصص

ثالثها قال الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني إنما كرر الله قصص الأنبياء وساق قصة يوسف مساقا واحدا إشارة إلى عجز العرب كأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لهم إن كان من تلقاء نفسي فافعلوا في قصة يوسف ما فعلت في سائر القصص

قلت وظهر لي جواب رابع وهو أن سورة يوسف نزلت بسبب طلب الصحابة أن يقص عليهم كما رواه الحاكم في مستدركه فنزلت مبسوطة تامة ليحصل لهم مقصود القصص من إستيعاب القصة وترويح النفس بها والإحاطة بطرفيها

وجواب خامس وهو أقوى ما يجاب به أن قصص الأنبياء إنما كررت لأن المقصود بها إفادة إهلاك من كذبوا رسلهم والحاجة داعية إلى ذلك لتكرير تكذيب الكفار لرسول الله صلى الله عليه وسلم فكلما كذبوا أنزلت قصة منذرة بحلول العذاب كما حل على المكذبين ولهذا قال تعالى في آيات @QB@ فقد مضت سنة الأولين @QE@ @QB@ ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من ms541 قرن @QE@ وقصة يوسف لم يقصد منها ذلك

4730 وبهذا أيضا يحصل الجواب عن حكمة عدم تكرير قصة أصحاب الكهف وقصة ذي القرنين وقصة موسى مع الخضر وقصة الذبيح

4731 فإن قلت قد تكررت قصة ولادة يحيى وولادة عيسى مرتين وليست من قبيل ما ذكرت

قلت الأولى في سورة ( كهيعص ) وهي مكية أنزلت خطابا لأهل مكة والثانية في سورة آل عمران وهي مدنية أنزلت خطابا لليهود ولنصارى نجران حين قدموا ولهذا اتصل بها ذكر المحاجة والمباهلة PageV03P185

السابقالتالي

جلال الدين السيوطي (ت ٩١١ هـ) — الإتقان في علوم القرآن. النص من OpenITI النسخة المنظّفة 0911Suyuti.Itqan.JK001295-ara1 (أُزيلت الحواشي والفهارس الحديثة في عملية التنظيف 2023). طبعة الأصل في الميتاداتا: دار الفكر، لبنان، ١٤١٦هـ/١٩٩٦م، تحقيق سعيد المندوب.