×
صالآية ٦٩

تفسير السمعاني — أبو المظفر السمعاني

مَا كَانَ لِىَ مِنْ عِلْمٍۭ بِٱلْمَلَإِ ٱلْأَعْلَىٰٓ إِذْ يَخْتَصِمُونَ ﴿٦٩﴾

قَوْله تَعَالَى: ﴿مَا كَانَ لي من علم بالملأ الْأَعْلَى إِذْ يختصون﴾ ذهب أَكثر أهل التَّفْسِير إِلَى أَن المُرَاد بالملأ الْأَعْلَى هم الْمَلَائِكَة، وَهَذَا قَول ابْن عَبَّاس وَغَيره. وَقَوله: ﴿إِذْ يختصمون﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنهُ هُوَ قَوْلهم لله تَعَالَى فِي أَمر آدم: ﴿أَتجْعَلُ فِيهَا من يفْسد فِيهَا ويسفك الدِّمَاء﴾ الْآيَة إِلَى آخرهَا. وَأما الْمَأْثُور عَن النَّبِي فِي الْآيَة فَهُوَ مَا رَوَاهُ معَاذ بن جبل رَضِي الله عَنهُ " أَن النَّبِي احْتبسَ عَنَّا ذَات غَدَاة حَتَّى كدنا نتراءى عين الشَّمْس، ثمَّ خرج سَرِيعا، وثوب بِالصَّلَاةِ، وَصلى رَكْعَتَيْنِ تجوز فيهمَا، ثمَّ قَالَ: هَل تَدْرُونَ بِمَا احْتبست عَنْكُم؟ فَقُلْنَا: لَا. فَقَالَ: إِنِّي قُمْت من اللَّيْل وتطهرت وَصليت مَا شَاءَ الله، ثمَّ نَعَست واستثقلت، ) فَإِذا رَبِّي فِي أحسن صُورَة. فَقَالَ: يَا مُحَمَّد، قلت: لبيْك. فَقَالَ: اتدري فيمَ يخْتَصم الْمَلأ الْأَعْلَى؟ فَقلت: لَا فَوضع كَفه بَين كَتِفي حَتَّى وجدت برد أنامله فِي ثندوتي؛ فتجلى لي كل شَيْء، وعرفته. ثمَّ قَالَ لي: يَا مُحَمَّد، أَتَدْرِي فيمَ يخْتَصم الْمَلأ الْأَعْلَى؟ فَقلت: نعم فِي الْكَفَّارَات، قَالَ: مَا هن؟ قلت: فِي مشي الْأَقْدَام إِلَى الْجَمَاعَات، وإسباغ الْوضُوء على المكروهات، وَالْجُلُوس فِي الْمَسَاجِد بعد الصَّلَاة. قَالَ: وفيم أَيْضا؟ قلت: فِي إطْعَام الطَّعَام، ولين الْكَلَام، وَالصَّلَاة بِاللَّيْلِ وَالنَّاس نيام. فَقَالَ لي: سل يَا مُحَمَّد. فَقلت: أَسأَلك فعل الْخيرَات، وَترك الْمُنْكَرَات، وَحب الْمَسَاكِين، وَأَن تغْفر لي وترحمني، وَأَسْأَلك حبك، وَحب من يجبك وَحب عمل يقربنِي إِلَى حبك. ثمَّ قَالَ النَّبِي: " إنَّهُنَّ حق فادرسوهن وتعلموهن " قَالَ أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيّ: هَذَا حَدِيث صَحِيح، وَقد روى هَذَا الْخَبَر بِوُجُوه أخر، وَلم يذكر فِي بَعْضهَا النّوم، وأصحها هَذِه الرِّوَايَة، وَالله أعلم. وَفِي الْآيَة قَول آخر: أَن الْمَلأ الْأَعْلَى هم أَشْرَاف قُرَيْش واختصامهم أَن بَعضهم قَالُوا: الْمَلَائِكَة بَنَات الله، وَبَعْضهمْ قَالُوا غير ذَلِك، فَهُوَ اختصامهم، وَالأَصَح هُوَ القَوْل الأول. واختصام الْمَلَائِكَة هُوَ كَلَامهم فِي هَذِه الْأَعْمَال، وأقدار المثوبة فِيهَا، وَزِيَادَة بعض الْأَعْمَال على الْبَعْض فِي الثَّوَاب.